*في البيت الابيض عبارة على طاولة هاري ترومان: (( يتوقف اخر الشوط عند الرئيس ))
في ايران يمكننا استعارة العبارة نفسها ونقول: (( يتوقف اخر الشوط عند المرشد الاعلى.كونه صاحب الكلمة الفصل في القضايا الكبرى )).
* نحن الامة التي لا غنى عنها )) هيلاري كلينتون
* ان اوروبا اليوم في حالة موت سريري. العالم لا يساوي شيئا بدون روسيا )) الكسندر دوغين.
توترت العلاقات الامريكية الايرانية مباشرة بعد سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الاسلامية الايرانية.وازدادت توترا بعد احتلال السفارة الامريكية في طهران في تشرين الثاني /نوفمبر ١٩٧٩ الذي دام لمدة ٤٤٤ يوما. خلال ذلك قامت الولايات المتحدة الامريكية بشن عملية عسكرية تحمل الرمز (( ايجل كلو )) مخلب النسر.كانت العملية فاشلة،وخلفت ثمانية قتلى من الجنود الامريكيين ،حين اصطدمت طائرة هيليوكبتر بطائرة نقل في الصحراء.
كتبت هيلاري كلينتون في كتابها (( خيارات صعبة )) نهاية التسعينات ،لاح امل وجيز في اتباع ايران مسارا مختلفا،على اثر انتخاب الايرانيين عام ١٩٩٧، محمد خاتمي رئيسا معتدلا نسبيا،وقد كشف خلال مقابلة مع محطة تلفزة امريكية انه يريد هدم (( حائط انعدام الثقة )) القائم بين ايران والولايات المتحدة.لم تخل ادارة كلينتون من المخاوف المبررة،عقب الهجوم الموجه على ابراج الخبر،لكن بيل استجاب وفابله بخطوات حذرة،منها ذكر ايران في رسالة مصورة بحلول عيد الفطر،وهو العيد الذي يختتم شهر رمضان الفضيل لدى المسلمين،قائلا: (( اتمنى ان ياتي قريبا ذلك اليوم الذي سنستمتع فيه مرة جديدة بعلاقات طيبة مع ايران )).كذلك ارسلت الادارة دبلوماسيين كثيرين لجس النبض في محاولة لاطلاق الحوار،ومن ضمنها رسالة سلمت اليهم عبر صديقنا المشترك،سلطان عمان.وعام ٢٠٠٠،اظهرت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت،بادرة حسن نية،باعتذارها رسميا عن الدور الذي ادته امريكا في الانقلاب الايراني عام ١٩٥٣ من جهة،واعلانها تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية من جهة اخرى.لكن ايران لم تلتقط الاشارتين قط،وهذا مرده جزئيا الى تكبيل المتشددين قدرة خاتمي على التحرك.
شهد النصف الثاني من العام ٢٠٠٩ سلسلة تطورات غير متوقعة،شكلت نقطة تحول كبيرة في النقاش العالمي في شأن طهران.
حلت الانتخابات الايرانية في حزيران/يونيو،في مرتبة اولى،واعلن فوز احمدي نجاد بعد فرز الاصوات،مما عد،تبعا لكل المقاييس،امرا معيبا جدا،ان لم يكن مزورا بالكامل.
عمت المظاهرات الحاشدة شوارع طهران وانحاء البلاد كافة،احتجاجا على النتائج.واتت مفاجئة حقا مطالبة الطبقة الوسطى في ايران بالديموقراطية التي وعدت بها خلال ثورة ١٩٧٩،ولم تمنح لها يوما.ارتفعت حدة الاحتجاجات التي عرفت ب (( التحرك الاخضر )).
قرر الرئيس على مضض،بعد الاستماع الى كل التبريرات،ان نمتنع عن زج الولايات المتحدة في صلب الازمة،خدمة لتطلعات الشعب الايراني. ابقى فريقي في وزارة الخارجية اتصاله الدائم،من خلف الكواليس،بالنشطاء في ايران،وتدخل في شكل طارئ،تجنبا لاغلاق (( تويتر ))،بحجة اعمال صيانة،مما كان من شانه حرمان المحتجين اداة تواصل رئيسية.فقررت،عقب الحملة القائمة لفرض النظام في ايران،تكثيف الجهود وتزويد النشطاء المؤيدين للديموقراطية،معدات ووسائل تكنولوجية لمواجهة عمليات النظام القمعية والرقابية.
وانفقنا ،طوال السنوات اللاحقة،عشرات ملايين الدولارات لتدريب اكثر من خمسة الاف ناشط في العالم.
عملنا في ثبات،لزيادة الضغوط الدولية على النظام الايراني ومكافحة طموحاته العدوانية.انقضت اولويتنا بتوسيعنا الشراكة العسكرية في الخليج،ونشر تعزيزات عسكرية جديدة في انحاء المنطقة،لطمأنة شركائنا،رادعين العدوان الايراني.وحافظنا على التنسيق الحثيث والمستمر مع اسرائيل،واتخذنا خطوات غير مسبوقة لحماية تفوقها العسكري ضد اي من الخصوم المحتملين.وطلبت من مساعدي في مجلس الشيوخ منذ زمن،الذي يحتل الان منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية،ان يساعدنا على التأكد من ان اسرائيل مزودة باسلحة متطورة جدا مثل مقاتلات اف ٣٥ للغارات المشتركة.من جهة اخرى،عملنا مع الاسرائيليين،على تطوير شبكة دفاع جوية متعددة الطبقات وبنائها،وهي تشمل نسخا محدثة من صواريخ باتريوت التي نشرت اصلا عام ١٩٩١ خلال حرب الخليج،ورادارا متطورا للانذار المبكر،وبطاريات مضادة للصواريخ تسمى (( القبة الحديدية )) وانظمة حماية اخرى ضد الصواريخ البالستية المعروفة ب (( مقلاع داود )) و (( مضاد الصواريخ حيتس ٣ )).
الى ذلك امضيت ساعات مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في مناقشة استراتيجيتنا ذات المسار المزدوج،محاولة اقناعه بان العقوبات قد تجدي نفعا.واتفقنا على اهمية وجود تهديد عسكري حقيقي - لذا ،كنت اكرر والرئيس اوباما ان (( كل الخيارات مطروحة )) -ولكن وجهات نظرنا اختلفت بالنسبة الى اي مدى علينا توجيه هذه الرسائل علنا.واخبرته عن جدية الرئيس اوباما،في قوله اننا لن نسمح لايران بامتلاك قنبلة ذرية وان سياستنا غير قابلة ل (( الاحتواء )) الذي كان يمكن تطبيقه مع الاتحاد السوفياتي.انما،نظرا الى ارتباط ايران بالارهاب والتقلبات في المنطقة،ارتأينا اكثر من الاسرائيليين،ان تسلح ايران النووي لم يعد مقبولا-او قابلا للاحتواء.اذا،كانت فعلا كل الخيارات مطروحة،بما فيها اللجوء الى القوة العسكرية.
كان الاوروبيون شركاء اساسيين في هذه الجهود،وعندما قبل الاعضاء السبعة والعشرون في الاتحاد الاوروبي مقاطعة النفط الايراني في شكل تام،وجهت الضربة القاسية.
مضت سنوات،وانا اتكلم على (( عقوبات خانقة ))،وتحول الامر حقيقة.عبر لي بيبي نتنياهو عن مدى اعجابه بهذه الجملة الى حد انه تبناها.شعرت بالاعتزاز من جراء الاجماع الذي حصدناه ومن فاعلية جهودنا.
اما حسن روحاني وهو مفاوض سابق في الملف النوووي،والشخص الافرب الى الاعتدال بين المرشحين الى الرئاسة،نظرا الى اقتناعه ب (( التواصل البناء مع العالم))،فانتقد سعيد جليلي لتعريضه ايران للعقوبات في مجلس الامن الدولي،وقال : (( من هنا،تتفرع كل مشكلاتنا ))،متابعا (( من الجيد ان نشغل اجهزة الطرد المركزي التي توفر الحياة والقوت للناس)
عقب انتخاب حسن روحاني،نمت القناة العمانية عن حماسة،وكان السلطان اول قائد اجنبي يزور روحاني في طهران،بينما بعث الرئيس اوباما برسالة اخرى،وتلقى جوابا ايجابيا،هذه المرة.وفي مسقط،عمد بيل وجايك،وكان الاخير في هذه المرحلة مستشار نائب الرئيس بايدن لشؤون الامن القومي،الى استئناف اللقاءات مع المسؤولين الايرانيين المتمتعين اخيرا بالسلطة للتفاوض على اعلى المستويات.كان من الضروري ان تتسم هذه اللقاءات بالسرية،اكثر من اي وقت مضى،للحفاظ على صدقية روحاني الهشة،في ايران.فبدأت تتضح الخطوط العريضة لاتفاق اولي،في سرعة نسبية،ومن الممكن ان تلجأ ايران الى وقف التقدم في برنامجها النووي وتتيح المجال لانطلاق عمليات التفتيش لمدة ستة اشهر،في مقابل الحاقها بتخفيف بسيط للعقوبات.وهذا ما قد يفتح نافذة المفاوضات المكثفة ويبدد بالتالي مخاوف المجتمع الدولي ويحل كل القضايا العالقة.
توصلنا مع شركائنا الى صياغة تسوية،توافق ايران ،بموجبها،على التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب بدرجة عالية والاستمرار في تخصيب ٥ في المئة فقط( وهي نسبة ادنى بكثير مما تحتاج اليه لصناعة الاسلحة )،وتوقف الاعمال في الاف اجهزة الطرد المركزي،من ضمنها كل اجهزة الجيل المقبل،وتسمح بعمليات التفتيش المفاجئة،وتوقف انشاء مرافق جديدة،بينها مفاعل البلوتونيوم.في المقابل،يقدم المجتمع الدولي على تخفيف العقوبات،عبر تزويد طهران مليارات كثيرة،تكون في معظمهامن الاموال الايرانية المجمدة.استأهلت التسوية اشادة من الرئيس اوباما،في البيت الابيض،على انها (( خطوة اولى مهمة نحو حل توافقي ))،ناسبا اياها الى سنوات من الصبر الدبلوماسي والضغوط.
* ما جاء في مذكرات هيلاري كلينتون،يؤكد المؤكد.ان وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية،يؤدي وظائف ثلاثا في عمل واحد.فهو كبير دبلوماسيي البلاد،ومستشار الرئيس الاساسي في السياسة الخارجية،والرئيس التنفيذي لوزارة مترامية الاطراف،وفي النهاية .يتوقف اخر الشوط عند الرئيس.
في الجمهورية الاسلامية الايرانية .يمسك المرشد بكل خيوط اللعبة،وخاصة في اختيار رئيس الجمهورية المحافظ او الاصلاحي حسب ما تقتضيه مصلحة ايران العليا.وايران على عتبة العام السادس والاربعين للثورة الاسلامية الايرانية التي ما كان لها ان تستمر وتصمد في وجه المؤامرات الاقليمية والدوليةلولا التفاف غالبية الشعب الايراني وخاصة المستضعفين وحكمة قادتها وعلى راسهم المرشد الامام علي الخامنئي.
*يقف الرئيس الامريكي دونالد ترامب معلنا للعالم اجمع،انه سيقف الى جانب الاحتجاجات والمحتجين في ايران،وانه سيتدخل لحمايتهم بالقوة.ويعلن خادمه بنيامين نتنياهو بان الموساد سيكون مع المحتجين على الارض.اما المرشدالخامنئي اعلن تحديه لترامب،وقال في تدوينته التي نشرها على صفحته بمنصة اكس (( تويتر سابقا )) ينبغي على الرئيس الامريكي الذي يصدر احكاما متعجرفة على العالم اجمع،ان يعلم ان الطغاة والحكام المتغطرسين في العالم كفرعون ونمرود ومحمد رضا ( بهلوي ) وغيرهم من الحكام،قد سقطوا وهم في اوج غطرستهم.وهو ايضا سيسقط.
ما زالت الاحتجاجات مستمرة في ايران وهي موضوع التحدي بين الرئيس الامريكي ترامب،الذي يتوقف عنده اخر الشوط،وبين المرشد علي الخامنئي صاحب الكلمة الفصل في القضايا الكبرى
هل استطاع المرشد شد عصب الشعب الايراني في خطبة الجمعة ضد امريكا واسرائيل؟
هل سيلجأ ترامب الى استخدام القوة التي اعلن انها لن تكون عملية برية؟
ماذا لو لجأ ترامب الى استخدام القوة العسكرية الجوية،وفشلت كما فشلت عملية (( ايجل كلو )) مخلب النسر في ثمانينيات القرن الماضي؟
واضح ان المرشد رفع سقف التحدي الى اقصى مدى بكل ثقة.بينما الرئيس ترامب بدا عليه التردد وعدم اليقين.نستشرف ذلك من قوله لن تكون العملية برية،واذا استخدمت ايران القوة المفرطة ضد المحتجين السلميين.
يبقى القول الفصل في احداث القادم من الايام.
مهندس زياد ابو الرجا