التقسيم بالنار ،، إسرائيل تطبق الفدرلة ويُشرعنها الداخل..؟!
مقالات
التقسيم بالنار ،، إسرائيل تطبق الفدرلة ويُشرعنها الداخل..؟!
عباس المعلم
15 كانون الثاني 2026 , 10:07 ص


بقلم ( عباس المعلم )

ليس التقسيم في لبنان فكرة طارئة ولا هاجساً مستجداً، بل مشروعاً مزمناً يتغذّى كلما عجزت بعض القوى عن فرض سيطرتها على الدولة بكاملها، هو مشروع يولد من رحم الهزيمة السياسية، ويتقدّم كلما اختلّت موازين القوة الداخلية، فيتحوّل من همس في الغرف المغلقة إلى خطاب علني بلا مواربة. وما يُسمّى اليوم فدرلة أو لامركزية موسّعة ليس سوى النسخة الملطّفة لمشروع قديم اسمه ..تفكيك لبنان.

في سبعينات القرن الماضي، لم يطالب اليمين اللبناني بالتقسيم لأن الدولة كانت قوية، بل لأنه كان يخسرها. وعندما اندلعت الحرب الأهلية، لم يكن التقسيم نتيجة عرضية للفوضى، بل مساراً مقصوداً، تُرجم بكانتونات مذهبية وسلطات أمر واقع ؟ ثم جاء اتفاق الطائف ليُسقط هذا المشروع شكلياً، لا لأن أصحابه اقتنعوا بوحدة لبنان، بل لأن موازين القوة فرضت عليهم التراجع المرحلي.

اليوم، يعود الخطاب نفسه بوجوه جديدة ولغة أكثر وقاحة ! لم يعد الحديث عن “حماية الوجود”، بل عن “دولة حزب الله”، وكأن المكوّن الشيعي بات جسماً دخيلاً على الكيان، لا شريكاً في تأسيسه ولا ركناً في استمراره. ويُعاد إنتاج خطاب الإلغاء تحت مسميات خادعة ، إعادة النظر بالتركيبة، اللامركزية المالية، الفدرالية الوظيفية. لكن جوهر الفكرة واحد ؟اقتلاع مكوّن لبناني بالقانون بعدما فشل اقتلاعه بالحرب.

والأكثر خطورة، أن هذا الخطاب الداخلي لم يعد معزولاً، بل بات يتقاطع عضوياً مع المشروع الإسرائيلي. فالعدو، في عدوانه الأخير، لم يكتفِ بالقصف والتدمير، بل نفّذ هندسة تقسيم دقيقة، محسوبة على المتر والطائفة والحيّ والعائلة ، لم تكن الحرب عشوائية، بل كانت خريطة سياسية تُرسم بالنار. بلدات تُمحى وأخرى تُستثنى، أحياء تُدمّر وأحياء متاخمة تُترك سليمة، وكأن الطائرات ترسم حدوداً لكيانات مستقبلية.

بلغ هذا التقسيم مستوى غير مسبوق حين حُصر الاستهداف داخل البلدة الواحدة، وفق الانتماء السياسي لا الجغرافي، وحين استُهدف أفراد من حزب الله في مناطق لا تُحسب عليه، فقط لإيصال رسالة واضحة ؟ لا مكان لكم في هذا الوطن، لا بين خصومكم ولا حتى بين من لم يختاروكم. إنها سياسة تهجير ناعمة، تُدار بالقصف الانتقائي والتحريض الاجتماعي.

في هذا السياق، يصبح خطاب بعض القوى اللبنانية عن الفدرلة أقل من كونه رأياً سياسياً، وأكثر من كونه شراكة غير معلنة مع العدو في إعادة رسم لبنان. فحين يطبّق الإسرائيلي التقسيم عملياً، ويأتي الداخل ليشرعنه نظرياً، نكون أمام تواطؤ بنيوي، لا أمام اختلاف سياسي.

وسط هذا المشهد، يطلّ رئيس الجمهورية جوزيف عون مطالباً حزب الله بالاختيار بين “الدخول إلى الدولة أو الخروج منها”، وكأن الدولة كيان محايد يقف فوق العدوان، لا جسداً مُخترقاً عاجزاً حتى عن حماية نفسه. هذا الخطاب ليس سذاجة سياسية، بل قلب للحقائق. فالمكوّن الذي يتعرّض للإلغاء العسكري والجغرافي والاجتماعي، يُطالَب اليوم بإثبات ولائه، بينما يُعفى المعتدي من أي مساءلة.

الأشد فداحة، أن من يلوّح اليوم بشرعية الدولة، هو نفسه من وصل إلى الرئاسة بتفاهمات وضغوط إقليمية ودولية، ولم يكن ليجلس في قصر بعبدا لولا موافقة حزب الله وحركة أمل. أولئك الذين يُطلب منهم “الخروج من الدولة”، هم من أدخلوا رئيس الجمهورية إليها، بعد أن كان موظفاً ممدّداً له، على حافة التقاعد السياسي والإداري.

فأي سيادة يُبشّر بها رئيس لا يرى في العدوان الإسرائيلي مشروع تقسيم فعلي، لكنه يرى في مقاومة لبنانية “مشكلة سيادية”؟ وأي دولة هذه التي يُطلب من مكوّن مستهدف وجودياً أن يسلّم مصيره لها، فيما هي عاجزة عن ردع طائرة مسيّرة أو منع خرق واحد؟

الحقيقة العارية أن النقاش لم يعد حول سلاح أو دولة، بل حول هوية لبنان نفسها. هناك من يريد لبناناً بلا مقاومة، وبلا مكوّن قادر على تعطيل المشروع الإسرائيلي. وهناك من يريد دولة تُبنى بعد كسر هذا المكوّن، لا بالشراكة معه. وهذا هو جوهر التقسيم، مهما تغيّرت تسمياته.

إن الفدرلة التي تُرسم اليوم بالقصف الإسرائيلي، ويجري الترويج لها في الصالونات السياسية، لن تتوقف عند حدود بيئة حزب الله. من يظن أنه سيكون بمنأى عنها، واهم. فالتقسيم لا يحمي أحداً، بل يبتلع الجميع. وعندما يكتشف المصفّقون أن الخرائط لا تعترف بالتحالفات الظرفية، سيكون الأوان قد فات، ولن يبقى من لبنان سوى شظايا كيان، بلا دولة، بلا سيادة، وبلا وطن.

عباس المعلم - كاتب سياسي

الأكثر قراءة هل هُزم حزب الله؟
هل هُزم حزب الله؟
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً