حق الشعب في المقاومة حين تعجز الدولة: بين الشرعية الدولية وسؤال السيادة
مقالات
حق الشعب في المقاومة حين تعجز الدولة: بين الشرعية الدولية وسؤال السيادة
عدنان علامه
4 آذار 2026 , 07:08 ص

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

بدأت السلطة التنفيذية مؤامرتها على المقاومة حين أقرت "ورقة الأهداف الإمريكية" بستميتها غير السيادية؛ وأقرت الحكومة اللبنانية الأهداف الواردة في مقدمة "الورقة الأمريكية" لتثبيت وقف الأعمال العدائية (نزع سلاح حزب الله) في 7 آب/أغسطس 2025.

وتضمنت الورقة 11 نقطة، أبرزها:

- ضمان ديمومة وقف إطلاق النار

- الإنهاء التدريجي للوجود المسلح غير الحكومي (عناصر المقاومة). لذا لا بد من تحليل مجريات الإحداث بشكل موضوعي مستخدمًا قوة المنطق حسب القوانين الدولية بينما تطبق رئاسة الحكومة منطق القوة حسب الإرادات الخارجية وفق التحليل التالي:

أولًا: الدولة وشرط الحماية

الدولة في جوهر تعريفها ليست شعارًا سياديًا ولا احتكارًا نظريًا للسلاح، بل هي كيان يقوم على وظيفة مركزية: حماية الأرض والشعب وصون السيادة.

و الدستور اللبناني يُحمِّل رئيس الجمهورية مسؤولية الحفاظ على استقلال الوطن ووحدة أراضيه، ويجعل من الحكومة السلطة التنفيذية المسؤولة عن الأمن القومي.

وبناءً عليه، فإن شرعية أي سلطة تُقاس بقدرتها الفعلية على ردّ العدوان ومنع الاحتلال، لا ببياناتها ولا بخطاباتها.

فإذا أعلنت قوة احتلال صراحةً عدم الانسحاب من أراضٍ لبنانية، وفرضت أمرًا واقعًا تحت مسمى “منطقة عازلة”، ولم تقترن المواقف الرسمية بإجراءات عملية رادعة، فإن الإشكالية تصبح مسألة شرعية وظيفة، لا مجرد خلاف سياسي.

ثانيًا: الأساس القانوني لحق المقاومة

إنّ القانون الدولي لم يجرّم مقاومة الاحتلال، بل إعترف بها صراحةً.

فالقرار 1514 لعام 1960 أكّد حق الشعوب في تقرير مصيرها، والقرار 2625 شدد على مشروعية نضالها ضد السيطرة الأجنبية.

كما اعترف البروتوكول الإضافي الأول لإتفاقيات جنيف بشرعية حركات التحرر الوطني، وأخضعها في الوقت نفسه لقواعد القانون الدولي الإنساني.

هذا يعني أن مقاومة الاحتلال ليست خروجًا على الشرعية الدولية، بل ممارسة لحق ثابت، شرط الالتزام بقواعد التمييز والتناسب وحماية المدنيين.

ثالثًا: عندما تعجز الدولة… هل يسقط الحق؟

الأصل أن تحتكر الدولة قرار الحرب والسلم. لكن هذا الاحتكار ليس امتيازًا مطلقًا، بل هو التزام مقابل الحماية. فإذا عجزت الدولة عن ردّ العدوان، أو لم تستطع فرض تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار، أو لم توظف أدواتها الدبلوماسية والقانونية لوقف أكثر من عشرة آلاف خرق واعتداء، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل يُطلَب من الشعب أن يبقى مكشوفًا ومُكبّل الأيدي بلا حماية، بإنتظار وعود حكومية جوفاء؛ وتوازنات دولية لا تأتي؟‼️‼️‼️

وفي الفقه السياسي، السيادة مصدرها الشعب، والدولة وكيلٌ عنها، لا بديلٌ منها.

رابعًا: الفرق بين الفوضى والمقاومة

المقاومة ليست فوضى سلاح، وليست تمردًا داخليًا على الدولة، بل هي فعل موجّه حصريًا ضد احتلال خارجي.

والفارق الجوهري أن هدفها إستعادة السيادة لا تقويضها.

وأما الفوضى فهي استخدام القوة خارج إطار مواجهة العدوان.

من هنا، فإن النقاش الحقيقي يجب أن يتركز على السؤال: هل يوجد احتلال وعدوان مستمر؟ وإذا كان الجواب نعم، فالمسألة تنتقل من جدل داخلي إلى حق دفاعي وطني.

خامسًا: الإشكالية اللبنانية الراهنة

إعلان حصر السلاح بيد الدولة يُفترض أن يترافق مع قدرة فعلية على حماية الحدود، ومنع تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة وفرض الإنسحاب من الأراضي المحتلة.

أما المطالبة بنزع أدوات الردع في ظل استمرار الإحتلال وغياب أي إجراء دولي ملزم، وهو خرق للفقرة ثالثًا من الدستور اللبناني- وثيقة الطائف؛ فتطرح الحكومة معادلة مختلفة: "تجريد الداخل من وسائل الدفاع دون إلزام الخارج بوقف عدوانه" .

وهذا ما فجّر الجدل الدستوري والسيادي الحالي.

سادسًا: بين القسم الرئاسي والواقع الميداني

فالقسم الدستوري ليس إجراءً بروتوكوليًا، بل تعهدٌ ملزم بالدفاع عن السيادة.

وعندما يتقدم الاحتلال خطوة ولا تتقدم الدولة خطوة مقابلة، ينشأ فراغ سيادي خطير. وقد لخّص البطريرك الراعي هذه المعادلة بقوله: “الدولة التي لا تدافع عن شعبها يسقط مبرر وجودها”. هذه ليست مقولة سياسية عابرة، بل قاعدة وجودية لأي كيان سياسي.

الخاتمة

إن مقاومة الاحتلال ليست خيار هواية، ولا ترفًا أيديولوجيًا، بل هي نتيجة مباشرة لخلل في معادلة الحماية.

فالدولة القادرة تُغني عن المقاومة، لأنها تقوم بوظيفتها بشَل كامل. وأما الدولة العاجزة، فلا يمكنها أن تطالب شعبها بالتخلي عن حقه الطبيعي في الدفاع عن أرضه وحياته بينما العدو يرسّخ إحتلاله في عدة َمواقع إستراتيجية.

فالحل ليس في صدام داخلي، ولا في قرارات متسرعة، بل في إعادة بناء دولة قوية فعلًا، تحتكر السلاح لأنها تحمي، لا لأنها تطلب الاحتكار نظريًا. وحتى يتحقق ذلك، يبقى المبدأ واضحًا في القانون والسياسة والتاريخ: "مقاومة المحتل حق مشروع، وسقوط الحماية يفتح باب وجوب المقاومة.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

03 آذار/ مارس 2026