توصل فريق دولي من علماء النفس إلى اكتشاف علمي مهم يوضح أن الغضب والكراهية ليسا درجتين مختلفتين من الشعور نفسه، بل آليتان عاطفيتان مستقلتان تماما، لكل منهما وظيفة تطورية مختلفة.
وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة Evolution and Human Behavior (EHB) المتخصصة في علم النفس التطوري.
لماذا الخلط بين الغضب والكراهية غير دقيق علميا؟
تشير الأدبيات العلمية واللغة اليومية في كثير من الأحيان إلى اعتبار الكراهية شكلا أقوى أو أكثر استمرارية من الغضب. إلا أن الباحثين يؤكدون أن هذا التصور غير دقيق من منظور تطوري.
فإذا كانت المشاعر قد تطورت كوسائل للتكيف مع تحديات البقاء المختلفة، فمن المنطقي أن تؤدي كل منها إلى أنماط سلوكية مختلفة تمامًا، وليس إلى سلوك واحد بدرجات متفاوتة.
الغضب: أداة للتفاوض واستعادة التوازن
وفقا للنموذج الذي قدمه الباحثون، يؤدي الغضب وظيفة شبيهة بعملية التفاوض الاجتماعي.
وينشأ الغضب عندما يشعر الشخص بأن الطرف الآخر يقلل من قيمة مصالحه أو يتجاهل حقوقه.
في هذه الحالة، يعمل الغضب كإشارة تحذير مفادها أن هذا السلوك غير مقبول، ويدفع الإنسان إلى:
المواجهة المباشرة
شرح موقفه
المطالبة بالاعتذار
السعي لإعادة بناء العلاقة بشروط أكثر عدلا
والهدف النهائي من الغضب هو استمرار التعاون وليس إنهاء العلاقة.
الكراهية: استجابة لتهديد دائم
على النقيض تمامًا، ترتبط الكراهية بالتعامل مع أشخاص يُنظر إليهم على أنهم مصدر تهديد مستمر أو أذى دائم، أو ما يُعرف بالشخصيات “السامة”.
في هذه الحالة:
لا يكون للحوار أو التفاوض أي جدوى
يصبح الهدف الأساسي هو تحييد التهديد
وتتمثل استجابات الكراهية في:
الابتعاد التام عن الشخص
تقويض مكانته الاجتماعية
حرمانه من الموارد
أو استبعاده نهائيا من الحياة الشخصية
كيف اختبر الباحثون هذه الفرضية؟
للتأكد من صحة هذه النظرية، أجرى الباحثون دراسة شملت 725 مشاركا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
طُلب من المشاركين:
تذكر شخص يشعرون تجاهه بغضب شديد دون كراهية
أو
تذكر شخص يكنّون له أكبر قدر من الكراهية
ثم قيّموا نوع التصرفات التي يرغبون في اتخاذها، بدءا من الحوار والمصالحة، وصولا إلى قطع العلاقات أو حتى تخيلات إلحاق الأذى.
نتائج واضحة ومتطابقة بين الدول
أظهرت النتائج فروقًا واضحة بين الحالتين:
في حالة الغضب:
فضّل المشاركون استراتيجيات إصلاح العلاقة، مثل الحوار وشرح الموقف وانتظار الاعتذار.
في حالة الكراهية:
سادت الرغبة في تجنب الشخص نهائيا، وحرمانه من الموارد، أو إلحاق الضرر به.
وقد كانت هذه النتائج متطابقة ومستقرة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا.
متى يتحول الغضب إلى كراهية؟
أوضحت التحليلات الإضافية أن:
زيادة شدة الغضب تعزز الرغبة في التفاوض
لكن عندما يفشل هذا التفاوض بشكل متكرر ومزمن، قد يتحول الغضب تدريجيا إلى كراهية
وفي المقابل، فإن تصاعد الكراهية يؤدي إلى القضاء التام على أي استعداد للحوار أو المصالحة.
خلاصة علمية مهمة
تؤكد هذه الدراسة أن فهم الفرق بين الغضب والكراهية أمر بالغ الأهمية، ليس فقط في البحث العلمي، بل أيضا في الحياة اليومية وحل النزاعات.
فالخلط بينهما قد يؤدي إلى اختيار استراتيجيات خاطئة في التعامل مع الخلافات، مما يزيدها تعقيدا بدل حلها.