”الشغب ليس من الشعب...والشعب ليس مع الشغب"
في سوسيولوجيا التلاحم وسيكيولوجيا الصمود: شعب يسبق المؤامرة بخطوة ووعي.
حين تختبر الدول في لحظات الضغط الأعظم، لا تقاس قوتها بترسانتها فحسب، بل بعمق وعيها الجمعي وبقدرة ناسها على تحويل التهديد إلى لحظة انكشاف أخلاقي. هناك، حيث تتقاطع الجغرافيا مع ا
لميتافيزيقيا السياسية، وحيث تفرز الأزمات المعادن، شهدنا مشهدا لاتخطئه عين التاريخ: طهران لا تحاصر، بل تستدعي شعبها...فيأتي.
لم يكن اندفاق الملايين من أبناء إيران حدثا عابرا في روزنامة السياسة، بل تحليلا سيميولوجيا لاصطفاف وطني نادر، ينسف رهانات التفكيك، ويسقط حسابات غرف الاستخبارات المعادية.
من كل فج عميق، إنسكب الناس كأنهم جواب حي على سؤال السيادة، وكأن الشارع بات نصا دستوريا مكتوبا بالأقدام لا بحبر الأقلام.
لقد راهنت قوى الشر والهيمنة والإستكبار والأطماع_ الطاغوت الأكبر وملحقه الأصغر، ومن يدور في النفاق الغربي_ على إنهاك الإرادة، وعلى تحويل البرامج العلمية ذات البعد الطبي والزراعي والطاقي إلى شماعة عقوبات. غير أن المقاربة الجينالوجية للصراع تكشف أن المشكلة لم تكن يوما في برنامج، بل في نموذج: نموذج دولة ترفض الخضوع، وتصر على أن المعرفة حق سيادي لا منة فيه.
في المقابل نشطت خلايا التخريب، وارتفعت أصوات مأجورة تحاول تشويش الوعي العام، تعمل بوظيفة كلاسيكة ضمن تكتيكات الحرب الهجينة: ضرب الثقة، تسميع السردية، وخلق ضباب معرفي. إلا أن المجتمع وقد بلغ درجة متقدمة من المناعة الإدراكية، تعامل مع تلك المحاولات بوصفها أعراض فشل لا مؤشرات نجاح. .مانشهده اليوم هو بداية تعاف إستراتيجي؛
مانشهده اليوم إنقشاع غيم أسود كان يراد له أن يطول، لكن وعي الجماهير ويقظة الإرادة الرشيدة حولاه إلى سحابة صيف. فالدولة التي تفهم شعبها، وتخاطبه بعقل الدولة لا بعصا السلطة، تنتج تماسكا يتجاوز اللحظة، ويؤسس لردع ناعم لا تقل فعاليته عن أي عقيدة عسكرية.
”البعد القومي الأممي"
إن سقوط قلعة الصمود طهران_ لاقدر الله_ لن يكون شأنا محليا، بل زلزالا يصيب الجسد العربي والإسلامي بل حتى يمتد ويستشري حتى العالم برمته؛ لأن الإستهداف هنا ليست حدودا، بل فكرة، وليست نظاما، بل ممانعة. وفي هذا المعنى يحضر قوله تعالى.
{ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}.
هكذا، تظهر طهران أطهارها؛ لا بالخطابة، بل بالفعل الجمعي، ولا بالشعارات، بل بوعي يسبق المؤامرة بخطوة. ومن يقرا المشهد بعيون الفلسفة السياسية يدرك أن ماجرى ليس دفاعا عن دولة فقط، بل إعادة تعريف لمعنى الكرامة في زمن الإبتزاز الدولي