لقد عبّرت "الدّولة" اللّبنانيّة بطرقٍ متعدّدة عن استسلامها الكامل للتَّفوُّق العسكريّ للكيان الصّهيونيّ وللضّغوط السّياسيّة للإمبرياليّة الأمريكيّة. وكان أوضح هذه التّعبيرات تخلّيها العمليّ عن المسؤوليّة التي تعهّدت بها في حماية جنوب لبنان والبقاع والضّاحية الجنوبيّة لبيروت.
وإلى الآن لم يُثمر الحوار المنطقيّ في إقناع "الدّولة" اللّبنانيّة، أو أُولئك الذين يدعمون موقفها الحاليّ، بأنّ نزع السّلاح من دون استراتيجيّة أمن وطنيّ هو بمثابة انتحار. فلا يخفى عليهم امتداد التّهديد الصّهيونيّ إلى كافّة أنحاء المنطقة، إلّا أنّ جزءاً لا بأس به من الشّعب اللّبنانيّ بات غارقاً في الفردانيّة ومنسلخاً عن الواقع. يعرف ذلك كلّ من خالطهم وراقب هواجسهم وتابع اهتماماتهم..
على أنّه يظهر بالتَّأمُّل أنّ هناك سبباً آخر مرتبط تحديداً بثقافتهم السّياسيّة، لا سيّما فيما يتعلّق بفهمهم للدّور الأمريكيّ في السّياسة العالميّة وما يترتّب عليها. فإلى جانب الانعدام الواضح للكرامة الوطنيّة والاستعداد للتّضحيّة، ثمّة فراغ ثقافيّ هائل من هذه الجهة. ورغم أنّه يصعب سدّ هذا الفراغ الذي ينشأ نتيجة عشرات، لا بل مئات السّنين من الاستهدافات النّاعمة (في الدّبلوماسيّة العامّة والإعلام والأنظمة التّعليميّة وغيرها)، تبقى أمامنا بعض الأمثلة التي قد تساعد في بلورة مقاربات أوفى بغرض حفظ السّيادة اللّبنانيّة بالحدّ الأدنى..
من هذه الأمثلة: قضيّة "غرينلاند". طبعاً، هي ليست قضيّة جديدة، فقد حاول الرّئيس الأمريكيّ هاري ترومان شراء غرينلاند عام ١٩٤٦، ولذا ليس من المستغرَب أن يسير دونالد ترامب على نهج من سبقه من الرّؤساء الأمريكيّين. بل إنّ أمثال هذه المناورات السّياسيّة نموذجيّة في سلوك الحكومة الأمريكيّة في الحقيقة. كان ترامب قد أبدى اهتمامه بذلك لأوّل مرّة عام ٢٠١٩، غير أنّ "عرضه" لم يحظى بقبول من غرينلاند ولا الدّنمارك التي تُعد غرينلاند جزءاً من مملكتها، بل تلقّى جواباً ظاهراً في الرّفض بأنّ "غرينلاند ليست للبيع"..
وفي عام ٢٠٢٠، أعادت الولايات المتّحدة فتح قنصليّتها في "نوك"، عاصمة غرينلاند، بعد أن كانت القنصليّة الأُولى قد أُغلقت عام ١٩٥٣. وتشير عدّة تقارير إلى أنّ ترامب يسعى الآن إلى بناء قنصليّة عملاقة في غرينلاند. ومّما يزيد التّأكيد على سيل لعابه عليها أنّه قد عيّن مبعوثاً خاصّا إلى غرينلاند في نهاية العام الماضي. وينبغي للّبنانيّين أن يفهموا أبعاد هاتين الخطوتين جيّداً، لأنّه عين ما حصل عندهم، والمسار واحد..
أمّا الدّوافع من وراء سياسة أمريكا اتّجاه غرينلاند، فلا شكّ أنّ للولايات المتّحدة اهتماماً كبيراً بالموارد الطّبيعية لغرينلاند بما في ذلك المعادن النّادرة واليورانيوم والحديد. لكنّ الدّوافع الحقيقيّة تبرز فيما كتبه ترامب عام ٢٠٢٤ حيث قال: "لأسباب [مرتبطة بـ] الأمن القوميّ والحُرِّيَّة في جميع أنحاء العالم، تشعر الولايات المتّحدة الأمريكيّة بأنّ امتلاك غرينلاند والسّيطرة عليها ضرورة مطلقة"..
صحيح أنّ معنى "الحُرِّيَّة" في الذّهن الأمريكيّ ما زال لغزاً، لكنّ كلامه صريح ورسالته واضحة: لن تكون هناك حُرِّيَّة في العالم إلّا بشرط الهيمنة الأمريكيّة. وأمّا قوله: "الأمن القومي"، فإنّما يقصد به القرارات الاستراتيجيّة التي تدعم مكانة أمريكا العالميّة بوصفها امبراطوريّة غير خاضعة للمساءلة..
فالقضيّة من أوضح مصاديق الاستكبار الأمريكيّ وسياساته التَّوسُّعيَّة. بل عبّر ترامب عن المنطق الامبرياليّ وراء قرار الاستيلاء على غرينلاند بقوله: "إذا لم نفعله نحن، فستفعله روسيا أو الصّين". وهذا يذكّرنا بالفيديو الذي اشتهر منذ سنوات للمستوطن الصّهيونيّ في حيّ الشّيخ جرّاح حين قال: "إذا لم أسرقه - [أي منزلك] - أنا، فسيسرقه شخص آخر"..!
حسناً؛ ما "الضّرورات الاستراتيجيّة" التي ستظهر بعد الاستيلاء على غرينلاند؟! أين تنتهي الحدود أو المصالح الأمريكيّة؟!
هذه أسئلة تُطرح غالباً في الحديث حول الكيان الصّهيونيّ للأسباب نفسها. والجواب الذي يكمن فيه الدّرس للّبنانيّين "دولةً" وشعباً خلاصته ما يلي: لا يمكنك الانقياد للمطالب المتواصلة لـ "الجيران" المتفوّقين عسكريًّا والرّاغبين - علناً - بالتَّوسُّع والهيمنة، ثُمّ ادّعاء "تحكيم قوّة المنطق على منطق القوّة"! ولئن كان خيار الاستفادة من أوراق القوّة قد "سقط" بعد أن حرّر لبنان في عام ٢٠٠٠ ودفع التّهديد للتّكفيريّ وحقّق الرّدع لمدّة ثمانية عشر عاماً (أي فترة ما بين عامي ٢٠٠٦-٢٠٢٤)، فخيار الاندماج في "الدّولة" وتبنّي مشروعها والاعتماد على "الحنكة السّياسيّة" في لعبة دوليّة يأكل فيها القويُّ الضّعيفَ قد سقط بعد سنة واحدة..!