هل تقع إيران مجددا في خطيئة الصبر الاستراتيجي؟
مقالات
هل تقع إيران مجددا في خطيئة الصبر الاستراتيجي؟
حليم خاتون
19 كانون الثاني 2026 , 06:49 ص

كتب الأستاذ حليم خاتون:

اتصل ترامب بنتنياهو ليخبره بتغيير في خطة ضرب إيران التي كان تم الإتفاق أن تقوم بها أميركا منذ بضعة أيام (الثلاثاء او الأربعاء) على ذمة إحدى وسائل الإعلام المقربة من إسرائيل...

بينما اوردت وسيلة إعلام أخرى أن نتنياهو هو من اتصال بترامب يطلب تأجيل الضربة بعد ثبات عدم كفاية الاستعدادت لمواجهة الرد الإيراني...

بينما تجمع أكثر من وسيلة إعلام على حتمية الضربة، تصر وسائل إعلام أخرى على خوف ترامب من المجازفة واستمرار التحشيد الأميركي الذي ينتظر وصول حاملة الطائرات روزفلت والسفن والمدمرات المرافقة لها لكي يعوض بهذه القوة النارية عن سحب الكثير من القوات من القواعد الأميركية في الخليج لتجنب وقوع خسائر بشرية...

بغض النظر عن كل هذه التحليلات والمعلومات المتناقضة، تبقى حقيقة واحدة:

ترامب وضع عبر ويتكوف أربعة شروط لعدم ضرب إيران:

١- تسليم كل اليورانيوم العالي التخصيب...

٢- التخلي عن البرنامج الصاروخي...

٣- التخلي عما يسميه الاميركيون اذرع إيران في المنطقة...

٤- تعهد إيران بالتزام الديمقراطية وعدم ملاحقة المعارضة...

يذكرنا هذا بما حدث على الجبهة اللبنانية التي دخلت في وقف لإطلاق النار بشروط معينة حين كان حزب الله يمتلك ما يكفي من القوة على الارض وصرنا نصحو كل يوم على شروط جديدة سوف تصل يوما أن نجثو عراة على الركب نطلب الرحمة من فراعنة العصر الحديث...

للخبير في الشؤون الايرانية الاستاذ توفيق شومان وجهة نظر أخرى تقول ان كل هدف ترامب مما حدث، وما يحدث، هو إبقاء النظام الإيراني تحت الضغط؛

استشهد الاستاذ شومان بتصريحات لترامب تعود الى حقبة الرئاسة الأولى حين قال إنه لن يذهب إلى الخيار العسكري، بل سوف يزيد العقوبات إلى الحدود القصوى لكي تقع إيران من تلقاء نفسها دون اية خسارة أميركية...

داخل هذه المعمعة تقف بيئة المقاومة على حيرة من أمرها...

ماذا يحدث؟

والى متى؟

إذا كان تحليل الاستاذ شومان صحيحا، لماذا شنت أميركا حرب الإثني عشر يوما في حزيران الفائت...

لماذا تراجع ترامب عن الضربة إذا كان سوف يعود الى التصعيد كما يحدث منذ مساء السبت ١٧ كانون الثاني؟

من يقرأ تحليلات الكثيرين من أبواق المقاومة حول تغير في موقف أميركا من سلاح حزب الله وعن عروض مغرية لهذا الحزب، يفهم أن المقاومة في لبنان، مثلها مثل إيران، لا تزال تعيش في نفس الأوهام التي حولت نتائج الإسناد وحرب "أولي البأس" الى مأساة ندفع ثمنها كل يوما تدميرا واغتيالات وسط بعض الكلام العالي السقف الذي سرعان ما تبدده تصريحات تافهة حول الوقوف خلف "الدولة"...

نفس الأمر يحدث مع إيران...

في مقابلة للدكتور حسام مطر، يظهر مدى الضعف في الموقف الإيراني...

بالطبع لم يكن أي كان يتوهم أن تمتلك إيران من القوة العسكرية ما يوازي قوة أميركا وإسرائيل...

وهذا ما قاله وأفاض في شرحه الدكتور مطر...

لكننا جميعا كنا نعرف ان إيران تمتلك القدرة على هدم الهيكل على رؤوس الجميع؛ وهذا وحده أكثر من كافِِ لردع أميركا...

لكن كلام الدكتور مطر يعود ويؤكد عدم نية إيران الذهاب إلى هكذا خيارات، مما يعني أن إيران تتخلى عن السلاح الوحيد الذي يمكنها من الصمود في وجه التفوق العسكري الأميركي؛ خاصة أن التيار الاصلاحي لا يزال يراهن على استمالة أميركا كما يصر الدكتور هادي دلول، وان التيار المحافظ لا يزال مصرا على عدم بناء القنبلة النووية بسبب فتوى عفى عليها الزمن خاصة بعد سقوط كل الشرائع والقوانين الدولية وكل معايير الإنسانية والأخلاق...

أما لماذا عاد ترامب إلى التصعيد؛

فلأن إيران ارسلت أكثر من إشارة ضعف حين تراجعت عن أحكام الإعدام بحق القتلة والجواسيس لتذكرنا مرة أخرى بأحلام الخيبة التي اتبعها حزب الله بعيد التحرير سنة ٢٠٠٠ ومسامحة العملاء بدل إعدامهم، أو حين أسقط قرارات ٥ أيار ٢٠٠٨ لحكومة فؤاد السنيورة العميلة ثم ذهب إلى الدوحة ليكرس فؤاد السنيورة نائبا عن صيدا إضافة إلى رئاسة الحكومة مع قانون انتخاب لا علاقة له لا بالطائف ولا بأدنى مستوى من الديمقراطية التي كانت كفيلة بمنع جماعات التهريج التي تخرج علينا كل يوم تذكرنا بدمى خيبة قرارات قيادة المقاومة...

المضحك المبكي في الموقف الإيراني هو التهديدات برد قاصم على إسرائيل في حال قيام أميركا بأي هجوم...

تصر القيادة الإيرانية على سياسة ردات الفعل بدل الفعل...

رغم كل المشروعية التي تجيز القيام بهجوم استباقي على اسرائيل، تصر القيادة في إيران على تلقي الضربات الأميركية أولا ثم الرد بما قد يتبقى من قوة على إسرائيل (هل هناك شهادة فقر حال أسوأ من هذا)...

ولكي تزيد هذه الكوميديا السوداء سوادا تخرج أبواق المقاومة لمدح هذه المواقف الخائبة...

لقد اتفق نتنياهو وترامب أن تقوم أميركا بالضربات القوية الكافية لمنع إيران من الرد كما حصل في حزيران؛ إضافة إلى منع أنصار ترامب من جماعة الماغا من الحديث عن أن أميركا تتدخل في الحرب خدمة لإسرائيل حيث أن أميركا تكون هي البادئة بالحرب وليس إسرائيل...

ولكي تزيد مظاهر الضعف في الموقف الإيراني، يتحدث جماعة إيران عن إمكانية المساومة على تجميد التخصيب داخل إيران لمدة خمس سنوات في خضوع تام للغطرسة الأميركية؛ ويزيد هؤلاء بالقول إن إيران أساسا لم تعد تستطيع مساعدة الحلفاء (الأذرع) وبالتالي ممكن الموافقة على هذا البند أيضا...

عفوا...

إيران لم تربح الجولة الأولى...

إيران تخسر كل يوم وسوف ينتهي أمرها إذا ما استمرت على نفس نهج الصبر الاستراتيجي الذي أدى إلى الكوارث السابقة...

كل يوم يمضي ولا تقوم إيران بهجوم استباقي يدمر الكيان على رؤوس الطغاة قبل بدء أميركا بالهجوم عليها هو خسارة فادحة سوف تنهي المقاومة الحالية وتجمد ظهور مقاومات أكثر جدارة لعشرات من السنين...

لن تنفع كل الصواريخ إذا افتقد القرار بالحرب!

حتى لو لم تقم أميركا بالضربة، فإن استمرار الحصار والخنق كفيل بانتاج هزيمة عبر تفتيت الشعب الإيراني، كما حصل مع الشعب السوري وكما حصل مع غزو العراق...

حتى مجرد الحصار يستوجب حربا استباقية فإن لم يفعلها النظام الإيراني، على الجمهورية الإسلامية السلام و"تخبزوا بالأفراح"...

يقول المثل الشامي:

"تروحوا عالحج، والناس راجعة!"

إما أن تقاتل إيران كما يجب وتتخذ قرارات كربلائية حاسمة وقرارت نووية ردعية جازمة وإما على النظام الإسلامي وحركات المقاومة السلام...