العلم يكشف السبب وراء إصابة بعض الأشخاص بأمراض شديدة أو مميتة نتيجة عدوى
دراسات و أبحاث
العلم يكشف السبب وراء إصابة بعض الأشخاص بأمراض شديدة أو مميتة نتيجة عدوى
19 كانون الثاني 2026 , 13:31 م

كشف تقرير علمي نشرته مجلة Nature أن السبب وراء إصابة بعض الأشخاص بأمراض شديدة أو مميتة نتيجة عدوى تبدو بسيطة لدى معظم الناس، يعود في كثير من الحالات إلى اضطرابات وراثية فطرية في الجهاز المناعي أو إلى أجسام مضادة ذاتية تُضعف الاستجابة الدفاعية للجسم.

الميكروبات ليست دائما المشكلة

يشير العلماء إلى أن الميكروب وحده لا يحدد خطورة المرض، إذ قد تكون العدوى نفسها:

خفيفة أو غير ملحوظة لدى الغالبية

شديدة أو قاتلة لدى فئة صغيرة من الناس

والسبب هو وجود ما يُعرف بـ الأخطاء الفطرية في المناعة

(Inborn Errors of Immunity – IEI)، وهي طفرات جينية تؤثر في طريقة عمل الجهاز المناعي.

كيف تؤدي الأخطاء المناعية إلى مرض خطير؟

تؤثر هذه الطفرات الجينية بطريقتين رئيسيتين:

ضعف قدرة الجسم على احتواء العدوى

أو استجابة مناعية مفرطة تُلحق الضرر بالأنسجة

وفي كلتا الحالتين، قد تتحول عدوى شائعة وغير خطيرة عادةً إلى مرض شديد.

قصة طبية تكشف الخلل الخفي

استعرضت مجلة Nature حالة تعود إلى أوائل ثمانينيات القرن الماضي، لطفل في مستشفى بمالطا أصيب بعدوى شديدة طالت عدة أعضاء، دون أن يتمكن الأطباء من تحديد المسبب.

وبعد نقله إلى لندن، تبيّن أن العدوى ناجمة عن بكتيريا Mycobacterium fortuitum، وهي بكتيريا شائعة تعيش في الماء والتربة ولا تسبب المرض لمعظم الناس.

وقال طبيب الأطفال المتخصص في الأمراض المعدية مايكل ليفين:

"الجميع يتعرض لهذه البكتيريا تقريبا، لكن نادرا ما يُصاب أحد بالمرض."

ورغم العلاج، توفي الطفل، ولاحقا تبيّن أن شقيقه وابن عمه عانيا من عدوى مشابهة.

الخلل الجيني وراء القابلية للعدوى

بعد سنوات من البحث، ربط العلماء هذه الحالات بطفرة جينية تؤثر في مستقبل الإنترفيرون-غاما، وهو جزيء مناعي أساسي ينظم الالتهاب ويساعد الجسم على السيطرة على العدوى البكتيرية.

وأوضح الباحثون أن:

مئات الجينات مرتبطة باضطرابات IEI

وغالبا ما تزيد هذه الطفرات خطر الإصابة بعدوى محددة

ولا تجعل الشخص عرضة لجميع الأمراض في الوقت نفسه

لكل عدوى نقطة ضعف مختلفة في المناعة

أكد الأطباء أن كل ميكروب يختبر جزءا مختلفا من الجهاز المناعي، مما يفسر تنوع الجينات المرتبطة بالقابلية للإصابة.

وقال الطبيب والباحث ستيفن هولاند من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة:

"ليس من المستغرب أن تكون هناك جينات مختلفة مسؤولة عن الاستجابة لأنواع مختلفة من العدوى."

جائحة كوفيد-19 مثال واضح

قدّمت جائحة كوفيد-19 مثالا بارزا على هذا التفاوت، حيث أظهرت دراسات قادها الباحث جان-لوران كازانوفا أن:

نحو 10% من مرضى كوفيد-19 الشديد لديهم أجسام مضادة ذاتية

هذه الأجسام تهاجم إشارات مناعية أساسية

مما يؤدي إلى إضعاف الاستجابة الدفاعية للجسم

وعُثر على أجسام مضادة مشابهة لدى بعض المصابين:

بالإنفلونزا الموسمية الشديدة

بفيروس غرب النيل

أو بردود فعل نادرة وخطيرة تجاه لقاحات حيّة، بما فيها لقاح الحمى الصفراء

ولا يزال سبب تشكّل هذه الأجسام المضادة غير معروف حتى الآن.

الطفرة لا تعني المرض دائما

يشدد العلماء على أن وجود طفرة جينية لا يعني بالضرورة الإصابة بالمرض، إذ:

يحمل كثير من الأشخاص طفرات مناعية دون أعراض

وقد تظهر الأعراض بعد سنوات أو لا تظهر مطلقا

ووفق دراسات حديثة، فإن نحو 4% من حالات IEI قد يظهر فيها الجين المسبب للمرض بشكل مختلف بين الخلايا، وربما يتأثر ذلك بعوامل لاجينية (إبيجينية) مرتبطة بالبيئة ونمط الحياة.

نحو طب أكثر تخصيصا

مع التقدم في فهم الخلفيات الجينية للأمراض المعدية، يتغير النهج الطبي نحو:

فحص المرضى الذين يصابون بعدوى غير معتادة

الكشف عن الطفرات المناعية مبكرا

تعويض العوامل المناعية المفقودة عند الإمكان

وهو ما يمهد الطريق لعلاج أكثر دقة وتخصيصا في المستقبل.

المصدر: مجلة nature