بقلم ( عباس المعلم )
حين قال جوزيف عون إنه «نظّف جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي»، لم يكن يقدّم توصيفًا أمنيًا، بل كان يكشف ؟ من حيث يدري أو لا يدري،، عن بنية عقل سياسي مأزوم، يرى في اللغة أداة إقصاء لا وسيلة حكم، فـ«التنظيف» ليس مصطلح دولة بل قاموس تطهير، لا يُستخدم في إدارة الاختلاف بل في شيطنة الخصم ونزع إنسانيته وتحويله إلى شوائب، إنها كلمة لا تُقال عن مواطنين بل عن عفن، ومن يختارها يختار موقعه الأخلاقي قبل السياسي.
ولو كان القصد فعلًا مؤسسيًا لقال ضبط السلاح أو تنظيمه أو تفكيكه أو إنهاء الوجود المسلح، أما «التنظيف» فهي مفردة مشبعة بعنف رمزي فاضح لا تصدر إلا عن خطاب يرى في جزء من شعبه عبئًا يجب كشطه لا شريكًا يجب احتواؤه، وهنا يسقط الادعاء الجامع قبل أن يكتمل.
ثم تأتي عبارة «السلاح غير الشرعي»، وهنا تنتقل اللغة من الانحراف إلى الارتداد، فالشرعية في لبنان ليست ختمًا رئاسيًا ولا شعارًا إنشائيًا بل مسألة نزاع دستوري وسياسي وتاريخي، غير أن المفارقة القاتلة أن وصف «غير الشرعي» يصيبك أنت قبل غيرك، فتمديدك في قيادة الجيش جرى خلافًا للقانون، وانتخابك رئيسًا تم خارج الأصول الدستورية، ووصولك إلى القصر لم يكن ثمرة قرار سيادي بل نتيجة توافق خارجي مفروض بأوامر أمريكية وسعودية وقطرية وفرنسية كما أقر نواب صوّتوا لك وكما تعترف أنت حين تكرر شكر هذه العواصم على «إنجاز الاستحقاق».
بأي ميزان تتحدث عن الشرعية؟ وأي دولة هذه التي تولد مكسورة النص؟ ثم تقول إنك حققت في عام واحد ما لم يتحقق منذ أربعين عامًا،
أربعون عامًا؟ أي أنك لا تراجع ظرفًا استثنائيًا بل تشطب تاريخ الصراع مع العدو الإسرائيلي وتدين المقاومة حتى قبل تحرير الأرض عام 2000 وتعلن انتماءك الصريح إلى مدرسة سياسية لا ترى في إسرائيل عدوًا ولو احتلت ولو قتلت ولو انتهكت، وهنا لا يعود الحديث عن واقعية بل عن إعادة تعريف للهزيمة بوصفها سياسة.
نصل إلى الاقتصاد حيث تتحوّل البلاغة إلى تزوير منظّم، تقول إن عهدك حقق نموًا بنسبة 5٪، فهل تعلم من أين أتى هذا النمو فعلًا؟ ليس من أمريكا ولا من السعودية ولا من الدول التي تستجدي دعمها فيما خزينة الدولة دفعت على استضافة موفديها أكثر مما تلقّت منهم، هذا النمو سببه واضح بالأرقام: 1.2 مليار دولار دفعها حزب الله لإيواء المتضررين من الحرب، نحو مليار دولار رواتب للعاملين في مؤسساته المختلفة، قرابة ٣ مليار دولار تحويلات من مغتربين من بيئته الاجتماعية لدعم أهلهم في الجنوب والبقاع والضاحية، هذا هو «النمو» الذي تنسبه إلى عهدك، أخذت النتيجة وأنكرت المصدر، وهذا ليس حكم دولة بل مصادرة وقائع.
وتتباهى بأنك لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل، وكأن الامتناع عن الدفاع بات فضيلة، وكأن السيادة تُقاس بالصمت لا بالردع، فيما إسرائيل تقصف يوميًا وتقتل وتنتهك الأجواء والحدود وأنت تراقب وتسمّي ذلك «حكمة»،
تحت الاحتلال تتحدث عن تنظيف لا عن تحرير، وتحت النار تتفاخر بالسكوت. قلت «ما ترون لا ما تسمعون»، فرأينا خروقات تتضاعف ودمارًا يتراكم وسيادة تُفرغ من معناها وفسادًا يُعاد تدويره بوجوه أقل خجلًا، سمعنا عهد السيادة ورأينا احتلالًا يتوسع وتدخلًا أمريكيًا وسعوديًا أعمق، سمعنا محاربة الفساد ورأينا تعيين غراسيا قزي، سمعنا الحلول الاقتصادية ورأينا كهرباء أقل وصحة أضعف وتعليمًا منهارًا وبنى تحتية أكثر بؤسًا، سمعنا كثيرًا ولم نرَ سوى العجز. أنا أفهم عجزك عن قتال المحتل، وهذا ليس بيدك، فالدولة لا تملك قدرات مواجهة عسكرية ولا خلاف على ذلك، وهذا العجز بات يطال المقاومة نفسها في هذه المرحلة، لكن ما لا يُغتفر سيد عون ليس العجز بل تبرير العجز والتفاخر به وتسويقه كإنجاز، وهنا تحديدًا لم تعد ترى ولم تعد تسمع.
أنا لا أُدينك لأنك عاجز، فالعجز واقع في ميزان القوى، لكن ما يُسقطك هو تحويل العجز إلى خيار وتسويقه كحكمة وطلب التصفيق له كإنجاز، فأنت لا تحكم دولة بل تدير هزيمة، تغلّفها بلغة هادئة، وتطلب من بلدٍ منتهك أن يقتنع أن هذا كله سيادة..
عباس المعلم - كاتب سياسي
...
[Message clipped] View entire message
Abbas Moualem
11:33 (56 minutes ago)
to editorial, me
تفكيك خطاب جوزيف عون.. تنظيف الجنوب أم تلويث الدولة ؟!
بقلم ( عباس المعلم )
حين قال جوزيف عون إنه «نظّف جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي»، لم يكن يقدّم توصيفًا أمنيًا، بل كان يكشف ؟ من حيث يدري أو لا يدري،، عن بنية عقل سياسي مأزوم، يرى في اللغة أداة إقصاء لا وسيلة حكم، فـ«التنظيف» ليس مصطلح دولة بل قاموس تطهير، لا يُستخدم في إدارة الاختلاف بل في شيطنة الخصم ونزع إنسانيته وتحويله إلى شوائب، إنها كلمة لا تُقال عن مواطنين بل عن عفن، ومن يختارها يختار موقعه الأخلاقي قبل السياسي.
ولو كان القصد فعلًا مؤسسيًا لقال ضبط السلاح أو تنظيمه أو تفكيكه أو إنهاء الوجود المسلح، أما «التنظيف» فهي مفردة مشبعة بعنف رمزي فاضح لا تصدر إلا عن خطاب يرى في جزء من شعبه عبئًا يجب كشطه لا شريكًا يجب احتواؤه، وهنا يسقط الادعاء الجامع قبل أن يكتمل.
ثم تأتي عبارة «السلاح غير الشرعي»، وهنا تنتقل اللغة من الانحراف إلى الارتداد، فالشرعية في لبنان ليست ختمًا رئاسيًا ولا شعارًا إنشائيًا بل مسألة نزاع دستوري وسياسي وتاريخي، غير أن المفارقة القاتلة أن وصف «غير الشرعي» يصيبك أنت قبل غيرك، فتمديدك في قيادة الجيش جرى خلافًا للقانون، وانتخابك رئيسًا تم خارج الأصول الدستورية، ووصولك إلى القصر لم يكن ثمرة قرار سيادي بل نتيجة توافق خارجي مفروض بأوامر أمريكية وسعودية وقطرية وفرنسية كما أقر نواب صوّتوا لك وكما تعترف أنت حين تكرر شكر هذه العواصم على «إنجاز الاستحقاق».
بأي ميزان تتحدث عن الشرعية؟ وأي دولة هذه التي تولد مكسورة النص؟ ثم تقول إنك حققت في عام واحد ما لم يتحقق منذ أربعين عامًا،
أربعون عامًا؟ أي أنك لا تراجع ظرفًا استثنائيًا بل تشطب تاريخ الصراع مع العدو الإسرائيلي وتدين المقاومة حتى قبل تحرير الأرض عام 2000 وتعلن انتماءك الصريح إلى مدرسة سياسية لا ترى في إسرائيل عدوًا ولو احتلت ولو قتلت ولو انتهكت، وهنا لا يعود الحديث عن واقعية بل عن إعادة تعريف للهزيمة بوصفها سياسة.
نصل إلى الاقتصاد حيث تتحوّل البلاغة إلى تزوير منظّم، تقول إن عهدك حقق نموًا بنسبة 5٪، فهل تعلم من أين أتى هذا النمو فعلًا؟ ليس من أمريكا ولا من السعودية ولا من الدول التي تستجدي دعمها فيما خزينة الدولة دفعت على استضافة موفديها أكثر مما تلقّت منهم، هذا النمو سببه واضح بالأرقام: 1.2 مليار دولار دفعها حزب الله لإيواء المتضررين من الحرب، نحو مليار دولار رواتب للعاملين في مؤسساته المختلفة، قرابة ٣ مليار دولار تحويلات من مغتربين من بيئته الاجتماعية لدعم أهلهم في الجنوب والبقاع والضاحية، هذا هو «النمو» الذي تنسبه إلى عهدك، أخذت النتيجة وأنكرت المصدر، وهذا ليس حكم دولة بل مصادرة وقائع.
وتتباهى بأنك لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل، وكأن الامتناع عن الدفاع بات فضيلة، وكأن السيادة تُقاس بالصمت لا بالردع، فيما إسرائيل تقصف يوميًا وتقتل وتنتهك الأجواء والحدود وأنت تراقب وتسمّي ذلك «حكمة»،
تحت الاحتلال تتحدث عن تنظيف لا عن تحرير، وتحت النار تتفاخر بالسكوت. قلت «ما ترون لا ما تسمعون»، فرأينا خروقات تتضاعف ودمارًا يتراكم وسيادة تُفرغ من معناها وفسادًا يُعاد تدويره بوجوه أقل خجلًا، سمعنا عهد السيادة ورأينا احتلالًا يتوسع وتدخلًا أمريكيًا وسعوديًا أعمق، سمعنا محاربة الفساد ورأينا تعيين غراسيا قزي، سمعنا الحلول الاقتصادية ورأينا كهرباء أقل وصحة أضعف وتعليمًا منهارًا وبنى تحتية أكثر بؤسًا، سمعنا كثيرًا ولم نرَ سوى العجز. أنا أفهم عجزك عن قتال المحتل، وهذا ليس بيدك، فالدولة لا تملك قدرات مواجهة عسكرية ولا خلاف على ذلك، وهذا العجز بات يطال المقاومة نفسها في هذه المرحلة، لكن ما لا يُغتفر سيد عون ليس العجز بل تبرير العجز والتفاخر به وتسويقه كإنجاز، وهنا تحديدًا لم تعد ترى ولم تعد تسمع.
أنا لا أُدينك لأنك عاجز، فالعجز واقع في ميزان القوى، لكن ما يُسقطك هو تحويل العجز إلى خيار وتسويقه كحكمة وطلب التصفيق له كإنجاز، فأنت لا تحكم دولة بل تدير هزيمة، تغلّفها بلغة هادئة، وتطلب من بلدٍ منتهك أن يقتنع أن هذا كله سيادة..
عباس المعلم - كاتب سياسي