ما يجري اليوم مع إيران ليس تطوراً مفاجئاً في مسار الأحداث، بل إعادة تصنيع دقيقة لنموذج حرب العراق عام 2003، بعد تجريده من فجاجته الأولى وتغليفه بخطاب أكثر حداثة و”قانونية”. آنذاك كان “سلاح الدمار الشامل”، واليوم النووي والصواريخ الباليستية، لكن الجوهر لم يتغير: اختلاق تهديد استراتيجي يبرّر الانتقال المتدرّج من الضغط إلى الإخضاع، ومن الحصار إلى كسر الإرادة السياسية.
الذرائع الأمنية، في الحالتين، ليست سوى واجهة لمعركة أعمق تتصل بالسيادة. المسألة لا تتعلق بالسلاح بحد ذاته، بل بحق امتلاك القرار. من يُمنح القوة داخل النظام الدولي يُكافأ ويُحمى، ومن يسعى إلى هامش استقلال يُصنَّف خطراً على “الأمن العالمي”. هذه الازدواجية ليست خللاً أخلاقياً عارضاً، بل قاعدة بنيوية في هندسة الهيمنة الأميركية، حيث تُقاس الشرعية بمدى الطاعة لا بمدى الالتزام بالقانون.
وكما في العراق، يُستدعى خطاب “تحرير الشعب” لأداء وظيفة التجميل السياسي. غير أن التجربة العراقية أسقطت هذا الخطاب حتى العظم: ديمقراطية تُفرض من فوهة دبابة، ودولة تتفكك مع انهيار المجتمع والجغرافيا. ومع ذلك، يُعاد استحضار الشعب الإيراني كذريعة جاهزة، في تجاهل متعمّد لحقيقة راسخة: الحصار والحروب الهجينة لا تُسقط الأنظمة، بل تعيد إنتاجها في صيغ أكثر صلابة، وأشد انغلاقاً، وأقل قابلية للاختراق.
استراتيجياً، لا تُستهدف إيران لذاتها، بل لوظيفتها. كما كان العراق عقدة توازن في قلب الشرق الأوسط، تمثل إيران اليوم الحاجز الأهم أمام الهيمنة الأميركية الكاملة على غرب آسيا. كسر هذا الحاجز يعني إعادة ضبط خرائط النفوذ، التحكم بمسارات الطاقة، وتجفيف أي إمكانية لقرار إقليمي مستقل. من هنا، لا يعود التصعيد وسيلة مؤقتة، بل سياسة دائمة، سواء انتهت بحرب شاملة أو ظلّت معلّقة على حافة الانفجار.
الفارق الأخطر بين 2003 واليوم يتمثل في غياب الكوابح الدولية. في حرب العراق، وُجد اعتراض أوروبي ودولي شكّل عبئاً سياسياً على واشنطن. اليوم، يبدو المشهد مختلفاً جذرياً: أوروبا مشلولة، والمؤسسات الدولية خاوية من الفعل، ما يمنح الولايات المتحدة هامش قوة غير مسبوق. هذا الشلل لا يقتصر على الشرق الأوسط، بل ينعكس عالمياً في سلوك إمبراطوري فظّ، يتعامل مع السيادة بوصفها أداة ابتزاز، لا مبدأ قانونياً.
في هذا السياق، تبرز “الترامبية” بوصفها مرحلة متقدمة من الإمبراطورية الأميركية: أقل التزاماً بالأقنعة، أكثر اعتماداً على القوة العارية، وأجرأ في اختبار حدود الردع العالمي. من غرينلاند إلى فنزويلا، تتسع شهية النفوذ، وتُختبر هشاشة النظام الدولي، فيما تبقى إيران الحلقة المركزية، المعيار الذي يُقاس عليه مدى قدرة العالم على كبح الانفلات الأميركي.
لذلك ، فإن استنساخ نموذج العراق مع إيران ينذر بكلفة تتجاوز بكثير حدود المنطقة. إيران ليست عراق 2003، وأي مواجهة معها لن تبقى محصورة بالجغرافيا، بل ستمتد إلى أسواق الطاقة، طرق الملاحة، واستقرار النظام الدولي نفسه. في عالم فقد توازناته الرادعة، يصبح اللعب على حافة الحرب مغامرة مفتوحة على نتائج غير قابلة للاحتواء.
وعليه فان المقارنة بين العراق وإيران ليست استعارة بل تشخيص لمسار ثابت: ذرائع تتبدل، خطاب أخلاقي زائف، وهدف واحد لا يتغير: إخضاع القرار وكسر الجغرافيا السياسية. الجديد اليوم ليس النوايا، بل هشاشة العالم. وفي نظام دولي متآكل، قد لا يكون تكرار الكارثة ممكناً فحسب، بل قد يكون الشرارة التي تعجّل بانهيار ما تبقى من قواعده..
عباس المعلم - كاتب سياسي