بهدوءٍ مدروس، ومن دون استعراضات أو بيانات رسمية، تمضي إيران في إعادة هندسة مفهوم الردع لديها، ليس كخيار دفاعي ظرفي، بل كاستعداد شامل لمرحلة تعتبرها حتمية.
مصادر مطلعة تؤكد أن طهران أنهت خلال الأشهر الماضية دمج منظومات دفاع جوي متطورة ضمن شبكتها العسكرية، في خطوة تعكس قناعة راسخة بأن زمن إدارة الأزمة قد انتهى، وأن المنطقة تتجه نحو مواجهة مفتوحة.
هذا الاستعداد لا يُقرأ بمعزل عن السياق الأوسع فبعد فشل رهانات الفوضى الداخلية، وتمكن الدولة الإيرانية من الإمساك بزمام الوضع الأمني والسياسي داخليا، تشكّلت لدى مراكز القرار قناعة جديدة
بأن المرحلة التالية لن تكون ضغطا سياسيا ولا عقوبات إضافية، بل حربا مباشرة على إيران وحلفائها، أو محاولة استدراجها إلى استنزاف طويل عبر تفجير حدودها، سواء من العراق أو من ساحات مجاورة أخرى.
السيناريو المطروح بحسب هذه القراءة يقوم على نقل المعركة إلى الأطراف، وإغراق إيران في نزاعات هامشية تُفقدها توازنها الاستراتيجي لكن الرد الإيراني على مايبدو لن يكون الانتظار.
مصادر مطلعة تشير بوضوح إلى وجود اتجاه متنامٍ داخل أوساط قيادية عسكرية وأمنية إيرانية يدفع نحو المبادرة، لا الدفاع.
المنطق الحاكم لهذا التوجه بسيط وقاسٍ
تلقي الضربة الأولى يعني القبول بقواعد اشتباك يفرضها الخصم، والدخول في حرب من موقع ردّ الفعل.
أما المبادرة، فتعني امتلاك الساعات الأولى، وتحديد سقف المعركة ومساراتها.
القيادة العسكرية والأمنية الإيرانية الجديدة، التي برزت بعد التحولات الأخيرة في ايران والمنطقة أثبتت – وفق تقديرات داخلية قدرتها على إعادة التماسك، ورسم سيناريوهات شاملة للمواجهة، مستفيدة من دروس السنوات الماضية، ومن التحولات التي فرضتها حرب لبنان و غزة ونتائج «طوفان الأقصى».
صحيح أن غياب جزء كبير من الجيل المؤسس لمحور المقاومة شكّل فراغا، لكن المقاربة الجديدة لا تقوم على الأشخاص، بل على عقيدة قتال ترى أن المرحلة المقبلة وجودية، لا سياسية.
في هذا السياق، بات القرار لدى إيران وحلفائها أكثر وضوحا وحدّة:
نحن أمام مرحلة كربلائية بامتياز، قتال حتى آخر نفس، بلا أوهام تسوية قريبة، ولا رهانات على عقلانية الخصم.
فالقراءة الإيرانية تعتبر أن زمن ترامب، مقرونا بعنجهية نتنياهو، أغلق فعليًا أبواب الحوار. لا مفاوضات، ولا تفاهمات، ولا خطوط وسط.
لهذا، جرى استنفار كل العلاقات والتحالفات، وتحويلها من أوراق سياسية إلى شبكة استعداد ميداني.
الدعم الصيني، والتقاطع الباكستاني، لم يعودا في إطار المجاملة الدبلوماسية، بل في سياق توازن دولي يتشكّل على نار هادئة.
وفي المقابل، تبدي كل من روسيا وتركيا والسعودية مواقف حذرة تميل إلى منع الانفجار، انطلاقا من إدراك مشترك بأن أي حرب شاملة ستفتح فوضى غير محسوبة، لن تنجو منها أي عاصمة في الإقليم.
الرسالة التي تتسرّب من طهران ليست تهديدا، بل توصيفا للمرحلة:
إيران لا تبحث عن الحرب، لكنها تهيأت لها بالكامل.
وإذا فُرضت المواجهة، فلن تكون محدودة، ولا قصيرة، ولا خاضعة لقواعد الآخرين.
في لحظات ما قبل الانفجار، لا تكون أخطر الأسلحة هي الصواريخ،
بل القناعة بأن الصدام آتٍ …وأن الانتظار لم يعد خيارا …