في لحظة دولية شديدة الاضطراب، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في يناير/كانون الثاني 2026، عن تأسيس ما سُمّي بـ«مجلس السلام»، كمبادرة تهدف – وفق الخطاب المعلن – إلى إدارة النزاعات الدولية، بدءا من غزة. غير أن هذه الخطوة سرعان ما أثارت جدلا واسعا، تجاوز بعدها الإنساني إلى أسئلة عميقة تتعلق بالشرعية الدولية ومستقبل النظام العالمي.
جاء الإعلان في ظل استمرار الحرب على غزة، وتراجع الثقة بدور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتصاعد النزعات الأحادية في العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، بدا «مجلس السلام» محاولة لطرح إطار بديل أكثر مرونة، قادر – نظريا – على تجاوز الشلل الذي تعانيه المؤسسات الدولية التقليدية. إلا أن انتقال المجلس سريعا من مبادرة إنسانية إلى مشروع ذي طابع جيوسياسي، فتح الباب أمام مخاوف حقيقية من كونه كيانا موازيا، لا مكمّلا، للنظام الدولي القائم.
يعمل المجلس بميثاق خاص خارج منظومة الأمم المتحدة، ويمنح دورا مركزيا لرئيسه، مع صلاحيات واسعة في التوجيه وتحديد العضوية. كما يعتمد نموذجا تمويليا يقوم على مساهمات مالية مرتفعة، ما يربط النفوذ السياسي بالقدرة المالية، ويثير تساؤلات حول عدالة التمثيل واستقلالية القرار. هذه البنية، رغم ما تمنحه من سرعة حركة، تضع المجلس في منطقة قانونية رمادية، وتضعف أسس شرعيته الدولية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل عناصر القوة التي يتمتع بها المجلس. فهو يُقدَّم كآلية أسرع وأكثر مرونة من مجلس الأمن، ويحظى بدعم أو اهتمام من دول في الشرق الأوسط وآسيا ترى فيه فرصة عملية بعيدًا عن الهيمنة الغربية التقليدية. كما أن تركيزه على مرحلة ما بعد الصراع، ولا سيما إعادة الإعمار، يشكّل عامل جذب لدول تبحث عن حلول ملموسة بدل الاكتفاء بالبيانات السياسية.
لكن نقاط الضعف البنيوية تبقى حاضرة بقوة. فشخصنة القيادة وربط مصير المجلس بشخصية مثيرة للجدل مثل ترامب، يعزز المخاوف من توظيفه سياسيا. كما أن شرط العضوية المالية يكرّس إقصاء الدول الأضعف، ويقوّض مبدأ المساواة بين الدول. إضافة إلى ذلك، ترى دول أوروبية عدة أن المجلس يشكّل تجاوزا للأمم المتحدة بدل أن يكون أداة لإصلاحها.
المواقف الدولية عكست هذا الانقسام. فبينما أبدت بعض الدول العربية والآسيوية انفتاحًا حذرًا، رفضت دول أوروبية أساسية المشاركة، فيما فضّلت قوى كبرى كالصين وروسيا وبريطانيا المراقبة دون انخراط. أما إسرائيل، فقد تعاملت مع المجلس بدعم مشروط، معتبرة أنه قد يخفف عنها الضغوط الدولية، لكنها شددت على أولوية أمنها ورفضت أي دور تركي داخله، خشية منح أنقرة نفوذا إقليميا يتعارض مع مصالحها.
في المحصلة، لا يبدو «مجلس السلام» مبادرة إنسانية محضة، بل تعبيرا عن تحوّل في التفكير الأميركي تجاه إدارة النزاعات، يقوم على المرونة والتمويل خارج الأطر التقليدية، مقابل إشكاليات حادة في الشرعية والمؤسسية. وبين من يراه فرصة لكسر الجمود، ومن يراه تهديدا للنظام الدولي، يبقى مستقبله مرهونا بقدرته على تحقيق نتائج فعلية على الأرض، لا بالاكتفاء بالشعارات.