بين الحشد العسكري والتلويح بتغيير النظام هل تدخل إيران وأميركا أخطر مراحل المواجهة
مقالات
بين الحشد العسكري والتلويح بتغيير النظام هل تدخل إيران وأميركا أخطر مراحل المواجهة
مهدي مبارك عبد الله
15 شباط 2026 , 21:31 م


د. مهدي مبارك عبد الله

لم يعد التصعيد بين واشنطن وطهران مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من التوتر بل بات اختبارًا حقيقيًا لحدود الردع وإمكانات إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط والحشود العسكرية الأميركية في المنطقة والتلويح العلني بإمكانية تغيير النظام الإيراني يقابلهما خطاب إيراني يتحدث بلغة السيادة والرد القاسي ورفض التفاوض تحت الضغط وبين هذين المسارين تقف المنطقة على تخوم لحظة دقيقة تتجاوز حسابات الضربة والرد لتطرح سؤالًا أعمق يتعلق بطبيعة النظام الإقليمي ذاته هل نحن أمام ساعة صفر حقيقية تفتح الباب على مواجهة واسعة أم أمام عملية إعادة هندسة باردة لمعادلات القوة قد تُنتج صفقة مختلفة بشروط أكثر صرامة

المواجهة بين واشنطن وطهران تدخل الان مرحلة دقيقة يتشابك فيها التصعيد العسكري مع الدبلوماسية القسرية في مشهد يعيد إلى الأذهان أكثر لحظات التوتر حساسية منذ انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 والحشد البحري الذي تمثل في إرسال الحاملة يو إس إس جيرالد فورد وانضمامها إلى يو إس إس أبراهام لينكولن لا يمكن قراءته بوصفه استعراض قوة عابر فقط بل رسالة مزدوجة مفادها أن باب التفاوض ما زال مفتوحا لكن خلفه قوة نارية جاهزة للتحرك وفي المقابل تصر طهران على أن برنامجها الصاروخي خط أحمر وأنها لن تفاوض تحت التهديد ما يجعل المنطقة أمام معادلة ضغط قصوى تتغذى على انعدام الثقة وتراكم الذاكرة الصدامية بين الطرفين في أي لحظة

تلويح ترامب بإمكانية تغيير النظام الإيراني يفتح الباب أمام سؤال مركزي حول مدى واقعية هذا الخيار والولايات المتحدة تمتلك فعلا أدوات ضغط اقتصادية وعسكرية واستخباراتية هائلة لكنها تدرك في الوقت ذاته أن إسقاط نظام متجذر في بنية أمنية وعقائدية معقدة ليس مهمة تقاس فقط بموازين القوة العسكرية والتجربة التاريخية مع حكومة محمد مصدق عام 1953 جرت في سياق دولي مختلف وكانت إيران آنذاك أقل تماسكا وأضعف من حيث البنية الأمنية أما اليوم فإن أي محاولة لإعادة إنتاج سيناريو مشابه ستصطدم بواقع إقليمي مشتعل وبشبكة نفوذ إيرانية عابرة للحدود سوف تجعل كلفة التغيير أعلى بكثير من عوائده المحتملة

البدائل التي يطرحها ترامب تبدو أقرب إلى هندسة صفقة كبرى بشروط أميركية مشددة تقوم على صفر تخصيب أو نقل التخصيب إلى منشأة إقليمية تحت رقابة صارمة مع توسيع الاتفاق ليشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي وحقوق الإنسان وهي مقاربة تتجاوز منطق اتفاق 2015 الذي تم التوصل إليه في عهد الرئيس باراك أوباما كما انها تنسجم مع رؤية إسرائيل الأمنية التي يعبر عنها باستمرار بنيامين نتنياهو والقائمة على تفكيك عناصر القوة الإيرانية لا تجميدها فقط لكن السؤال هو ما إذا كانت طهران مستعدة لدفع ثمن داخلي وسيادي بهذا الحجم مقابل رفع العقوبات

إيران من جهتها تراهن على عامل الزمن وعلى إرهاق الخصم وتبدل الأولويات الدولية وهي تعرض صيغة خطوة مقابل خطوة تشمل قيودا مؤقتة على التخصيب مقابل تخفيف مرحلي للعقوبات لكنها ترفض المساس ببرنامجها الصاروخي الذي تعتبره العمود الفقري لردعها الاستراتيجي وفي الداخل الإيراني تتصاعد أصوات جماهيرية تطالب بالذهاب نحو خيار الردع النووي الكامل على غرار كوريا الشمالية باعتباره الضمانة الوحيدة لردع أي ضربة أميركية محتملة غير أن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر عزلة شاملة وربما ضربة وقائية قبل بلوغ العتبة النووية

أما سيناريو ليبيا الذي يلوح به نتنياهو فهو يستند إلى تجربة تفكيك البرنامج النووي الليبي قبل سقوط النظام لكنه يغفل هنا فارقا جوهريا يتمثل في أن إيران تمتلك عمقا جغرافيا وبشريا وصناعيا أكبر بكثير كما أن القيادة الإيرانية ترى في مصير معمر القذافي دليلا على أن التخلي الكامل عن أوراق القوة لا يضمن البقاء بل قد يسرع الانهيار لذلك فإن قبول طهران بنموذج ليبي يبدو مستبعدا ما لم تحصل على ضمانات أمنية صلبة يصعب على واشنطن تقديمها في ظل الاستقطاب الداخلي الأميركي

المفاوضات الجارية في جنيف بوساطة عمانية تعكس إدراكا مشتركا بأن الحرب الشاملة ليست خيارا مفضلا لأي طرف وواشنطن بالذات تدرك أن أي ضربة واسعة قد تشعل ردودا عبر ساحات متعددة من الخليج إلى شرق المتوسط وطهران ايضا تعلم أن اي مواجهة مفتوحة قد تستنزف اقتصادها المنهك وتعرض بنيتها التحتية لضربات قاسية لذا فإن السيناريو الأرجح يتمثل في استمرار لعبة حافة الهاوية حيث يتم رفع سقف التهديد لتحسين شروط التفاوض من دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى

التاريخ الحديث يثبت أن إسقاط الأنظمة ليس معادلة عسكرية صرفة وأن الردع النووي أو شبه النووي غالبًا ما يتحول إلى ورقة حماية لا ورقة تفاوض وبين هذين الدرسين تتحرك الحسابات الإيرانية والأميركية بحذر بالغ واشنطن تدرك أن الضربة قد تكون ممكنة لكن التحكم بمآلاتها ليس مضمونًا وطهران تعي أن رفع سقف التحدي قد يعزز موقعها التفاوضي لكنه قد يستدرج مواجهة تتجاوز قدرتها الاقتصادية على الاحتمال

مع كل ذلك يبقى خطر الخطأ في الحسابات قائما فوجود حاملتي طائرات وقوات إضافية في مسرح عمليات متوتر يزيد احتمالات الاحتكاك غير المقصود وأي ضربة محدودة قد تتدحرج إلى سلسلة ردود يصعب احتواؤها خاصة إذا دخلت أطراف إقليمية على خط المواجهة عندها لن يكون النزاع ثنائيا بل إقليميا بامتياز يعيد رسم خرائط النفوذ ويهدد أمن الطاقة العالمي

من هنا فإن لحظة التصعيد الراهنة قد لا تكون ساعة صفر بالمعنى العسكري المباشر بل لحظة مفصلية في مسار إعادة هندسة الردع الإقليمي إما أن تنجح الضغوط في إنتاج صفقة أكثر تشددًا تعيد ضبط التوازنات وإما أن ينزلق الطرفان بفعل سوء تقدير أو تصاعد غير محسوب إلى مسار تصادمي يعيد رسم خرائط القوة بالنار لا بالتفاوض

في الواقع لا تبدو المواجهة بين واشنطن وطهران متجهة حتميًا نحو حرب شاملة لكنها أيضًا لم تعد قابلة للاحتواء بالآليات التقليدية ذاتها فالحشود العسكرية ليست مجرد استعراض قوة كما أن التلويح بتغيير النظام ليس مجرد خطاب سياسي عابر كلاهما يعكس سعيًا لإعادة صياغة قواعد الردع وفرض معادلة جديدة تتجاوز اتفاقًا نوويًا تقنيًا إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ في الإقليم وفي كلتا الحالتين ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة بل اختبار تاريخي لقدرة النظام الدولي والإقليمي على إدارة صراعاته الكبرى دون أن يتحول الضغط إلى انفجار ودون أن تتحول السياسة إلى حرب مفتوحة يصعب إغلاق أبوابها وهل يغامر ترامب يدق طبول الحرب وإعادة رسم النظام في طهران وأنها لعبة حافة الهاوية الأخيرة

اخيرا السؤال المطروح بإلحاح واضطراب هل اقتربت ساعة الصفر والمواجهة الجواب لا يزال معلقا بين منطق القوة ومنطق الصفقة والولايات المتحدة قادرة على إلحاق أذى بالغ بإيران لكنها غير قادرة بسهولة على هندسة نظام بديل ومستقر وإيران قادرة على إرباك خصومها لكنها غير قادرة على تحمل حرب مفتوحة طويلة وبين هذين الحدين تتشكل لحظة تفاوضية شديدة الهشاشة قد تفضي إلى اتفاق مؤقت يؤجل الانفجار أو إلى تصعيد تدريجي يعيد المنطقة إلى دوامة صراع جديد عنوانه إعادة تعريف الردع في الشرق الأوسط لا تغيير نظام فحسب

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]

الأكثر قراءة معلومات تؤكد وجو رابط بين إقالة مفتش الخارجية الأميركية وبيع أسلحة للسعودية
معلومات تؤكد وجو رابط بين إقالة مفتش الخارجية الأميركية وبيع أسلحة للسعودية
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً