كتب الدكتور حسين حميّة، الباحث ُفي العلاقاتِ الدوليةِ والدِّراساتِ الاسلامية، تحتَ عنوان:
"ترامب أوّلاً، وأميرِكا وحدَها".
العالم لا يعيش أزمةً عابرة ،بل يعيش لحظةَ اِنتقالٍ كبرى في ميزان القوى، ومع المفكر "بارنتي"في كتابه الأشهر "Global collapse"
نسألُ: مَنْ يملكُ ؟ مَنْ يَحْكُمُ ؟ومَنْ يدفعُ الثَّمَن ؟
فالتاريخُ لا يقاسُ لا بالنوايا ولا بالشعارات ،بل بعلاقاتِ القوةِ والمصالحِ الطبقيةِ التي تُحرِّكُها الامبريالة المتمثلةِ بالدولةِ العميقة، من خلال الحروب، والانقلاباتِ، وتدمير الدول، والعقوباتِ، لِإعادةِ انتاجِ التراكمِ الرأسمالِيِّ على الصعيدِ العالمي، فأميركا ترامب اليوم هي تجسيدٌ صارخٌ لِمصالحِ طبقيةٍ عابرةٍ للحدود.
الولاياتُ المتحدةُ، ومعَ سياسةِ ترامب، تعلمُ تماماً ما تفعل، لكنَّها وصلتْ الى لحظةٍ لم تعدْ فيها قادرةً على الاستمرارِ لِلعبِ الدورِ القديم، إنها الإمبراطوريةُ التي تُعِيدُ تَمَوْضُعَها، قبلَ الإنهاكِ التَّدْرِيجِيِّ والأُفُول .
-من منظورٍ تاريخيًّ، ترامبُ يُمَثِّلُ نهايةَ مرحلة، وإذا نظرناالى المئةِ عامٍ الماضية، فإنَّ دُروسَ التاريخِ واضحةٌ تماماً: الأمبراطورياتُ الٱفِلَةُ تُعانِي مِنْ أمْرَيْنِ أساسَيْنِ :
َّ1-أولُهُما ما يُسَمَّى" بالعسكرةِ الجُزْئِيَّةِ في الخارج ،وهي واهمةٌ بِاعْتِقادِها أنَّ أشكالَ التدخُّلِ العسكريِّ يُعِيدُ لها ما كانَ، مِنْ نفوذِهاالعالمي؛ومثالٌ على ذلكَ الامبراطورياتُ: السُّوفياتيةُ والبريطانيةُ، والإسبّانِيَّة. إنها اللَّاعقلانِيّةُ، على الصعيدِ الدَّوْلِيّ
2-نحن الآنَ في حربٍ باردةٍ جديدةٍ، بينَ واشنطنَ وبِّكِينَ وموسكو، وهدفُها هو الهيمنةُ على الكتلةِ البريةِ الأوراسيَّةِ (أوروبا وأسيا)، أيْ التّركيزُ على نصفِ الكرةِ الأرضيَّةِ الغَربِيِّ فقط، لذا، من الواضحِ العملُ لِلحفاظِ على موقعٍ في أوراسيا، وخاصةً أوروبّا الغربيةَ، لِلأهمِّيَّةِ الجيوسياسيةِ الأميركيةِ في هذهِ الحربِ الباردةِ الجديدة.
أمامَ هذهِ اللاعقلانيةِ في السياسةِ الدوليةِ الأميركيّة، نرى أنه بانسحابِ ترامب مِنْ أوروبّا وإضعافِهِ حِلْفَ النّاتو، وتَهديدِهِ ايرانَ وغرينلاند، بدت تَلوحُ في الأُفًُقِ النتائجُ التالية : 1-روسيا والصينُ تعملانِ على توسيعِ هيمنتِهِما على المِساحَةِ الأوراسِيَّةِ الشاسعة، وذلكَ يُهَدِّدُ استقرارَ النظامِ الدَّوْلِيِّ، كَكُلّ: القانونَ والتجارةَ ،والدبلوماسية.
٢-الِاتِّجاهُ الأوروبيُّ المستقبليُّ، لِلتَّعاونِ معَ الصينِ وروسِيا، ويَتَمَنَّوْنَ لو أنّهم كإيرانَ، دولةً مستقلةً تُدافعُ بِقُوّةٍ عن سيادتها، فرنسا تُرَحِّبُ بالصينِ علناً، ألمانيا ترتبُ زيارةً رسميةً لِبِّكين، بريطانيا توافقُ على إنشاءِ أكبرِ سفارةٍ صينيةٍ في لندن.
3-كندا قرَّرَتْ أن تَتَّجِهَ شرقاً، إنَّهُ التَّحَوُّلُ الِاقتِصاديُّ بِاتِّجاهِ الصين.
أوروبَّا وكندا لمْ تعودا تَثِقانِ بواشنطن، حيثُ البحثُ عنِ البديلِ الآمِن.
4- البنوكُ بدأتْ تَهْرُبُ، بِاتِّجاهِ الذهب، والفضةُ ترتفعُ، وتستعِدُّ الأسواقُ لمرحلةٍ لا تُشْبِهُ الّتي قَبْلَها.
فهل نحنُ أمامَ انهيارٍ مَالِيٍّ عالمي(.Global collabs)
5-هل إدخالُ التكنولوجياالنوويةُ السِّلْمِيَّةُ إلى مختلفِ المجالاتِ، وتصنيعُ أوَّلِ كمبيوتر"كوانتمي"، خلالَ العامِ المُقبِلِ ،والتقدُّمُ العلميُّ الحَيَوِيُّ، في مجال "الكوانتم"،هوأحدُأسبابِ العِداءِ الذي يُكِنُّهُ العَدُوُّ الإسرائيليُّ للبرنامجِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيّ؟.
6-إنَّ ما يُسمّى زوراً "مجلسُ السلامِ"،ليس سوى مجلسِ حَرْبٍ يُشَكِّلُ خَطراً،على القانونِ الدَّوْلِيِّ، وعلى الأمنِ وعلى السلامِ نفسِه، وهو تهميشٌ لِدَوْرِ الأُمَمِ المُتَّحِدَة.
ثُمّ، هل غزَّةُ الّتي يُرِيدُها ترامب: "ميامي الشرقِ الأوسط "،قابلةٌ لإعادةِ التَّطوِيرِ "؟و يَعرفُ جميعُ المشاركينَ، أنَّ" نادي السلام" ليسَ إلّا سرقةً علنيةً، لِأَنَّ السرقةَ باتت مُرْبِحَةً، في عالَمِ حقوقِ الانسان، في هذه الأيّام.
7-السياسةُ السعوديةُ اليومَ تُرِيدُ الخروجَ مِنْ "دَوْرِ الزّبونِ الأمْنِيِّ" إلى دَوْرِ "اللّاعبِ المُتَوازن" لا بِالتّصادُمِ، بَلْ بِتوسيعِ الخِياراتِ والانفتاحِ على الصين، وبِتنسيقٍ نفطيٍّ مَعَ روسيا.
-وكمايشير"إسكوبار،حيث يَخْتَتِمُ حديثَهُ، مُسْتَشْهِداً "بأنطونيو غرامشي":
"العالمُ القديمُ يَحْتَضِرُ، والعالمُ الجديدُ يُكافِحُ، من أجلِ الوِلادة،
إنَّهُ عصرُ الوُحُوشِ".
ما يَجْري، مِنْ تَخطِيطٍ لِضَرْبِ ايرانَ، والتَّوَسُّعِ في العالم، ليس وليدَ صُدْفَةٍ، ولا اِستِعراضاً، إنَّهُ نتيجةُقرارٍ سِياسِيٍّ قَدْ تَمَّ اِتِّخاذُهُ، والتنفيذُ باتَ مسألةَ وَقْت، وهذِهِ الحربُ مُمْكِنٌ تَجَنُّبُها، بِلَحْظَةٍ ما، ولكنْ بِقرارٍ سِياسِيٍّ فَقَطْ، إنَّهُ تَحَوُّلٌ جَذْرِيٌّ في مَوازينِ القوى، تستعد الصين، بِموجِبِهِ، لِتَحُلَّ مَحَلَّ الولاياتِ المتحدةِ، كأكبرِ مُستهلِكٍ في العالم، وعِنْدَ كُلِّ إشكالِيَّةٍ عالَميةٍ اسْأَلوا عَنِ الصّهيونيّةِ العالَميّة، فاليهودُ هم روادُ التِّجارةِ العالميةِ والدولية. ويُتْقِنُونَ فَنَّ السيطرةِ على المالِ في العالَم.
يبدو أنَّ الإنسانَ كائنٌ لا يُطِيقُ السلامَ طويلاً، فالمنطقةُ والعالمُ يعيشونَ حَبْسَ الأنفاس.
وسأقولُها بكلِّ صراحةٍ: إنَّ الهدفَ من ضربِ إيرانَ، هوإعادةُ تشكيلِ النِّظامِ الدَّوليِّ،بِما يؤدّي إلى تعزيزِ الأَحادِيّةِ القُطْبِيّةِ الأميركيّةِ، إذا أُسْقِطَتْ إيران، أوْ تثبيتِ أميرِكا، كقطبٍ إقلِيمِيٍّ ضمنَ التَّعَدُّدِيَّةِ القُطْبِيَّةِ التخصصيةِ، اذا صمدت إيران.
إنَّ كَسْرَ إيرانَ يَعْنِي خَنْقَ جُزْءٍ مِنَ الصعودِ الصِّينِي ّ، وهذا يعني أنَّ إيرانَ ليست وحدَها الهدفَ، بِما هي إيرانُ، بل بِما تملكُهُ إيرانُ في مُعادلةِ الصراعِ العالَمِيّ، ومن خلال هذِهِ السياسةِ التّرامبِيَّة، نكونُ أمامَ " أميركا وحدَها وترامب أوَّلاً ".