م. ميشال كلاغاصي // 1/9/2026
وصلت العلاقات بين روسيا والإتحاد الأوروبي إلى أدنى مستوياتها منذ انهيار الإتحاد السوفيتي، خصوصاً مع سعي الأوروبيين إلى قطع الروابط السياسية والتجارية والإقتصادية والمالية والثقافية وحتى الرياضية منذ عام ٢٠٢٢ والصراع الأوكراني، ولا زالوا يسعون لقطع كل ما تبقى من العلاقات مع روسيا، إذ لم تتوقف حزم العقوبات والحظر التجاري، ومختلف الضغوطات الأوروبية، بالتوازي مع إصرارهم على إفتعال الضجيج العسكري، والتهديدات المستمرة بسحق روسيا وتدميرها وتفكيها، واستخدام تلك العناوين لتبرير زيادة إنفاقهم الدفاعي، والحرص على استمرار المواجهة مع روسيا، خصوصاً مع إعتماد غالبية دول الإتحاد سياسة التقشف، دون تقديم خطط إصلاحية لأنظمتها المالية، ومعالجة حالات التضخم.
مع ذلك، برزت مؤخراً بارقة أمل، بعدما كشفت المواجهة الحادة مع الأمريكيين حول غرينلاند، حاجتهم الماسة لإعادة تقييم موقعهم ومكانتهم على الساحة الدولية، بعدما كانت دول الإتحاد الأوروبي تعتبر أن الولايات المتحدة تشكل سندها الموثوق الذي تعتمد عليه بشكل كامل، لكن التغييرات الطارئة على السياسة والعلاقات الدولية والأمريكية تحديداً، جعلت العواصم الأوروبية تدرك أن الولايات المتحدة تسعى نحو تحقيق مصالحها الخاصة فقط، والتي قد تتعارض جذرياً مع التطلعات الأوروبية، وبدأت ترى أن اعتمادها المطلق على أمريكا يشكل خطراً استراتيجياً يهدد مصالح دولها.
ومع ذلك، أقرت موخراً الوقف التام لإعتمادها على مصادر الطاقة الروسية بحلول 2027، على الرغم من حقيقة أن الإعتماد على الغاز المسال الأمريكي لا يختلف عن مثيله الروسي، والفارق الوحيد بينهما ضخامة الأسعار الأمريكية، بالإضافة إلى الخطر الحقيقي الذي استشعره الأوروبين من السياسات الأمريكية تجاه أوروبا.
في هذا السياق، ولأول مرة منذ عام 2022، بدأت بعض الأصوات الأوروبية الخجولة تدعو إلى استئناف الحوار مع روسيا، واللافت بأنها لم تصدر عن المعارضة اليمينية المتطرفة، بل عن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، بما يؤكد بأن فكرة استئناف العلاقات مع موسكو بدأت تعود وتتغلغل في الخطاب السياسي الأوروبي، وأقله على مستوى بعض الدول في الإتحاد، الأمر الذي يشكل دلالة واضحة على تحول نوعي في نظرة النخب الأوروبية للتغيرات التي تطرأ على العلاقات الدولية، بما يعزز طموحات دول الإتحاد بالإستقلالية والإبتعاد عن هيمنة الولايات المتحدة، واستعادة العلاقات مع روسيا.
قد يكون من المبكر الإعتماد على تلك الدلالات والإستنتاجات، وربطها بالصراع الأوكراني، لكنها تشير بوضوح إلى تغيرات محتملة في السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي، بإعتبارها سياسات تأثرت أيديولوجياً بشكلٍ واضح، بحسب فهمها للواقع الدولي منذ عام 2022، بما يدفع عقلية الإتحاد الأوروبي للإستمرار بالحديث عن "النظام العالمي القائم على القواعد"، بالتوازي مع استشعارهم خطر عدم توافق أنظمتها السياسية مع المفهوم السائد حالياً للديمقراطية الأوروبية، الأمر الذي يُفسر بطئ والتردد بعملية إنفصالهم عن السياسة الخارجية بخطوات واضحة، ويدفعهم نحو مسارٍ غير مبرر في مواجهة الصين.
لا بد لإستعادة العلاقات من الحوار الجاد والصادق مع روسيا، والذي يتطلب من الدول الأوروبية التخلي عن هذه الأحكام المسبقة و"نغمة" التفوق الحضاري الأخلاقي الذي تنطوي عليه، وإثيات حسن الجوار والإبتعاد عن سياسة دعم الإستفزازات وتهديد الأمن الروسي عبر خطوات مقصودة أو غير مدروسة من قبل الناتو، والإعتراف بأن مصالح بروكسل تنتهي حيث تبدأ مصالح موسكو، وبأن تعتمد إيديولوجيات حقيقية منطقية لا على أيديولوجيات وهمية حول صراع الديمقراطيات مع ما تسمى الأنظمة الإستبدادية.
يبدو من المنطقي لأوروبا إن كانت صادقة في خيارات سياساتها الخارجية الجديدة لإستعادة علاقاتها مع روسيا، إعلان إنفصالها الواضح عن الولايات المتحدة، في وقتٍ لا تزال فيه بعض العواصم الأوروبية - رغم الخلافات مع إدارة ترامب- تأمل وتعتقد بأن الغيوم الداكنة ستزول قريباً وأن الحياة ستعود إلى طبيعتها، الأمر الذي يدعم الشكوك حول نياتها.
دون شك تحتاج أوروبا إلى الوقت، لكن التقدم الحقيقي لن يبدأ إلا عند حدوث تغيير جزئي ملحوظ في نخبها الحاكمة، خاصةً داخل فريق "الصقور" في دولها والإتحاد الأوروبي، واختفاء أولئك الذين بنوا نفوذهم السياسي على المواجهة مع روسيا، على غرار رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وبأن يحل محلهم قادة أكثر براغماتية.
ويبدو أن أقرب موعد لإتضاح الصورة سيكون عام 2027، وحلول موعد مغادرة الرئيس ماكرون في الإنتخابات الرئاسية الفرنسية والإنتخابات البرلمانية في إيطاليا، ويليه عام 2029 وموعد الإنتخابات في ألمانيا وبريطانيا والإتحاد الأوروبي، والذي يُفترض فيه بالحد الأدنى حصول تغييرات على مستوى مقعد وزير السياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي، بما يمكن إعتباره مؤشراً واضحاً لسير أوروبا في الإتجاه الصحيح.
م. ميشال كلاغاصي // 1/9/2026