لطالما واجه علماء الأعصاب تحديا أساسيا يتمثل في الفصل بين الفوائد العلاجية لبعض مركبات القنب وبين آثارها السلبية على الإدراك والذاكرة. ويُعد مركب
دلتا-9-تيتراهيدروكانابينول ( THC ) أشهر هذه المركبات، إذ يتمتع بخصائص مضادة للالتهاب وحامية للخلايا العصبية، لكنه في الوقت نفسه مرتبط بضعف التعلم والذاكرة، مما يحد من استخدامه في علاج الأمراض العصبية.
دراسة علمية جديدة تشير إلى أن هذا التناقض قد لا يكون حتميا، وتطرح استراتيجية دوائية قادرة على تقليل الآثار الإدراكية السلبية مع الحفاظ على الفوائد المحتملة.
دراسة جديدة من جامعة تكساس
قاد البحث الدكتور تشو تشين، أستاذ علم وظائف الأعضاء الخلوية والتكاملية في كلية لونغ للطب بجامعة تكساس في سان أنطونيو. وهدف فريقه إلى اختبار ما إذا كان بالإمكان تحييد التأثيرات الضارة لـ THC على الدماغ دون فقدان خصائصه العلاجية.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Aging and Disease، حيث أظهرت التجارب على الفئران تحسنا في الوظائف الإدراكية وتراجعا في التغيرات المرضية المرتبطة بمرض الزهايمر.
الجمع بين THC ودواء مضاد للالتهاب
اعتمد الباحثون على دمج جرعة منخفضة من THC مع دواء سيليكوكسيب (Celecoxib)، وهو دواء مضاد للالتهاب انتقائي لإنزيم COX-2، ويُستخدم على نطاق واسع لعلاج آلام المفاصل.
أهمية هذه الخطوة تكمن في أن كلا الدواءين معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، مما قد يسهّل الانتقال السريع إلى التجارب السريرية مقارنة بتطوير أدوية جديدة كليا.
دور الالتهاب في التدهور المعرفي
يرجع اهتمام تشو تشين بهذا الموضوع إلى أكثر من عشر سنوات، عندما بدأ بدراسة أسباب تأثير THC السلبي على الذاكرة. وفي دراسة سابقة عام 2013، توصل فريقه إلى أن THC يؤدي بشكل غير متوقع إلى زيادة نشاط إنزيم COX-2 في الدماغ.
هذا الإنزيم معروف بدوره في الالتهاب والألم، لكنه يشارك أيضا في عمليات حيوية مرتبطة بالتعلم والذاكرة، مثل التقوية طويلة الأمد للمشابك العصبية. وعند ارتفاع مستوياته، تزداد احتمالات ضعف الإدراك.
لماذا لا يكفي تثبيط COX-2 وحده؟
رغم أن تثبيط إنزيم COX-2 قد يبدو حلا منطقيا، إلا أن التجارب السريرية السابقة لعلاج الزهايمر باستخدام جرعات عالية من مثبطات هذا الإنزيم لم تُظهر تحسنا معرفيا، بل ارتبطت بمخاطر قلبية خطيرة.
لذلك، سعى الباحثون إلى حل متوازن يثبط التأثير الالتهابي الضار دون تعطيل الوظائف العصبية المفيدة.
نتائج واعدة في نماذج الزهايمر
اختبر الفريق تأثير:
THC بجرعة منخفضة وحده
مزيج THC مع سيليكوكسيب
وذلك في نماذج فئران تعاني من تراكم بيتا-أميلويد وتشابكات تاو، وهما من العلامات الرئيسية لمرض الزهايمر.
الجرعات المستخدمة
3 ملغ/كغ من THC يوميا
1 ملغ/كغ من سيليكوكسيب يوميا
وهي تعادل لدى الإنسان (بوزن نحو 75 كغ):
18 ملغ من THC
6 ملغ من سيليكوكسيب يوميا
النتائج الأساسية
تحسّن واضح في التعلم والذاكرة
انخفاض في تراكم بروتينات بيتا-أميلويد وتاو
تراجع مؤشرات الالتهاب العصبي
نتائج أفضل بكثير مقارنة باستخدام THC وحده
كما أظهرت تحاليل التسلسل الجيني للخلايا المفردة أن التعبير الجيني المرتبط بالالتهاب والوظائف المشبكية عاد إلى نمط أقرب للحالة الصحية.
أهمية السلوك المعرفي في التقييم
أكد تشو تشين أن تحسن السلوك الإدراكي هو العامل الحاسم في تقييم أي علاج عصبي، موضحا أن المزيج الدوائي تفوق بوضوح على THC وحده في هذا الجانب.
طريق أقصر نحو التطبيق السريري
يُستخدم THC حاليا بشكل اصطناعي لعلاج الغثيان وفقدان الشهية لدى مرضى السرطان والإيدز، بينما يُعد سيليكوكسيب من الأدوية الشائعة منذ عقود.
ويرى الباحثون أن دمج هذين الدواءين قد يفتح مسارا علاجيا جديدا يمكن اختباره سريريا في وقت أقصر، مقارنة بتطوير جزيئات دوائية جديدة.
الخطوات البحثية القادمة
ركزت الدراسة الحالية على الوقاية أو تأخير ظهور الأعراض، ويعمل الفريق حاليا على دراسة ما إذا كان هذا المزيج قادرا على:
إبطاء تقدم المرض
أو عكس التدهور المعرفي بعد ظهور الأعراض
ويشير الباحثون إلى أن تأخير ظهور الزهايمر لبضع سنوات فقط قد يكون له أثر هائل على المرضى وأسرهم وأنظمة الرعاية الصحية.
خلاصة علمية
تقدم هذه الدراسة رؤية جديدة لكيفية إعادة توظيف THC بشكل آمن في علاج الأمراض العصبية، من خلال التحكم في آثاره الالتهابية. وتمثل النتائج خطوة مهمة نحو تطوير علاجات قائمة على القنب الطبي لمرض الزهايمر وأمراض تنكسية عصبية أخرى.