لم تعد قضية جزيرة جيفري إبستين مجرد ملف جنائي مؤجل أو فضيحة أخلاقية عابرة، بل تحوّلت إلى أداة ضغط سياسية ثقيلة تُستحضر عند الحاجة، وتُعاد إلى الواجهة في توقيت محسوب، بما يخدم معارك النفوذ داخل الولايات المتحدة وخارجها. ففتح الملفات اليوم لا يبدو بريئا، ولا منفصلا عن السياق السياسي الحاد الذي تعيشه الولايات المتحدة الأميركية.
الوثائق القضائية التي أُفرج عنها مؤخرا، وما رافقها من تسريبات وصور وشهادات، أعادت تسليط الضوء على شبكة علاقات معقدة نسجها إبستين مع شخصيات من الصفين السياسي والمالي. ورغم أن إدراج الأسماء لا يعني إدانة قانونية مباشرة، إلا أن طريقة الإخراج الإعلامي، وتوقيت النشر، وانتقائية التركيز، كلها مؤشرات – برأي مراقبين – على أن الهدف يتجاوز إنصاف الضحايا، ليصل إلى توظيف الفضيحة كسلاح سياسي.
في قلب هذا المشهد، يبرز اسم الرئيس دونالد ترامب، لا بوصفه متهما مباشرا في ملف إبستين، بل باعتباره الرئيس الأميركي ، ما يمنح أي ضغط يُمارَس عليه وزنا مضاعفا. فالرجل الذي يتخذ قرارات فعلية داخل البيت الأبيض، ويقود ملفات داخلية وخارجية شديدة الحساسية، يجد نفسه محاطا بملفات أخلاقية قابلة للتفعيل سياسيا.
وتزداد حساسية هذا الاستهداف بسبب سوابق ترامب الجدلية، التي تجعل أي إشارة أخلاقية قابلة للتحول إلى قيد سياسي. فقضية ستورمي دانيالز المرتبطة بأموال إسكات قبيل انتخابات 2016، وتسجيل “ الوصول إلى هوليود ” الذي كشف لغة مهينة بحق النساء، إضافة إلى إدانته مدنيا في قضية الكاتبة إي جان كارول بتهمة اعتداء جنسي وتشويه سمعة، كلها عناصر رسمت صورة رئيس يمكن تطويقه أخلاقيا متى دعت الحاجة، لا إسقاطه بل ضبط حركته.
ويرى مراقبون أن إعادة تحريك ملف إبستين في هذا التوقيت بالذات ليست فعلا قضائيا صرفا، بل رسالة سياسية مباشرة تهدف إلى دفع ترامب نحو مزيد من الانضباط والضغوط، سواء في الداخل الأميركي أو في خياراته الخارجية. ففكرة “الرئيس غير القابل للابتزاز” تتآكل عندما تُدار الملفات على جرعات، وتُفتح وفق إيقاع الصراع داخل الدولة العميقة.
ضمن هذا السياق، تبرز فرضية أكثر حساسية، مفادها أن إسرائيل تقف (بشكل مباشر أو غير مباشر ) خلف إعادة إحياء هذا النوع من الملفات، أو على الأقل ضمن الأطراف الأكثر استفادة منها. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى سوابق تاريخية في السياسة الأميركية، حيث استُخدمت الفضائح الأخلاقية كوسيلة إنهاك وتطويع، لا كطريق إلى العدالة فقط.
ويستحضر هؤلاء ما جرى مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في أواخر التسعينيات، حين كشفت علاقة غير لائقة مع المتدربة مونيكا لوينسكي، ثم اتُّهم كلينتون بالكذب تحت القسم وعرقلة العدالة، ما أدى إلى عزله سياسيا في مجلس النواب ونجاته لاحقا في مجلس الشيوخ. تلك الفضيحة لم تُسقطه، لكنها شلّت حركته السياسية وقلّصت هامش قراره في ملفات دولية حساسة، بينها ملفات الشرق الأوسط، وفق قراءات سياسية سائدة آنذاك.
ورغم غياب أدلة قانونية قاطعة تثبت وقوف جهة بعينها خلف توقيت التسريبات اليوم، إلا أن تزامن فتح الملفات مع لحظات سياسية مفصلية، وطبيعة التغطية الإعلامية، وانتقائية الاستهداف، كلها عوامل تغذّي الشكوك بأن ما يجري هو إدارة محسوبة للفضائح، لا مجرد سعي متأخر إلى الحقيقة.
الأخطر، بحسب مراقبين، أن هذا الضغط لا يبقى حبيس واشنطن، بل ينعكس مباشرة على الشرق الأوسط. السيد ترامب يُدفع نحو تشدد أكبر في ملفات بعينها دعم غير مشروط لإسرائيل، تغطية سياسية للحروب، القبول بتسويات قسرية، وإعادة رسم خرائط النفوذ على حساب حقوق الشعوب.
هكذا، تتحول قضية إبستين من فضيحة أخلاقية إلى أداة جيوسياسية تُستخدم لتطويع القرار الأميركي وتوجيهه. وفي منطقة اعتادت أن تُدار أزماتها من خارجها، يبدو واضحا أن بعض القرارات المصيرية لا تُصنع في غرف السياسة وحدها، بل في أرشيف الفضائح، حيث يُفتح الملف عند اللزوم، ويُغلق حين تنتهي المهمة.