ما يجري في الشرق الأوسط اليوم يتجاوز منطق التصعيد التقليدي وإدارة الأزمات. نحن أمام لحظة مفصلية تُستخدم فيها الصدمة كأداة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي، لا لإنهاء أزماته. السؤال لم يعد عمّا إذا كانت المنطقة تتجه نحو فوضى أو حسم، بل عن الكيفية التي سيُعاد بها إنتاج الصراع بأدوات جديدة وتوازنات مختلفة.
في قلب هذه المقاربة تقف عقيدة دونالد ترامب، القائمة على إدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة الشرق الأوسط، في نظره، لم يعد أولوية استراتيجية بقدر ما هو عبء ثقيل استنزف الولايات المتحدة لعقود. لذلك، فإن التلويح بالحرب، وخصوصًا ضد إيران، لا يهدف إلى خوض مواجهة شاملة، بل إلى إحداث صدمة محدودة تكسر قواعد الاشتباك، وتسمح بإعادة التموضع تحت عنوان “استعادة الردع”.
الحرب على إيران، إن وقعت، لا تُقرأ كهدف بحد ذاتها، بل كمدخل منظم لإنتاج الفوضى. فهي تُفجّر الإقليم، وتُشغل الصين وروسيا عن ملء الفراغ، وتوفّر لإسرائيل هامش حركة واسعا ضمن بيئة فوضوية مُدارة، تُدار فيها الصراعات بدل حسمها. الفوضى هنا تتحول إلى أداة استراتيجية لمنع تشكّل نظام إقليمي بديل خارج المظلة الأمريكية.
وإذا تعذّرت المواجهة المباشرة مع طهران، يبرز العراق كساحة بديلة للاستنزاف.
واضح بأنه يوجد توجّهًا أمريكيًا لإعادة تفكيك المشهد الداخلي سياسيا وأمنيا، بما يحوّل العراق إلى خاصرة رخوة لاستنزاف إيران، على غرار استنزاف روسيا في أوكرانيا، ولكن بأدوات أقل كلفة وأكثر قابلية للإنكسار .
هذا النهج لا يعني انسحابا أمريكيا كاملا، بل انتقالا من الهيمنة المباشرة إلى الإدارة عن بُعد. بحيث واشنطن تقلّص حضورها العسكري وتسحب قواعدها من سوريا والعراق ، وتُبقي إسرائيل في موقع المتقدم، مع توفير الغطاء السياسي والتقني، فيما تتحمّل القوى الإقليمية كلفة الصراعات ونتائجها.
في المقابل، قد تتحول الصدمة نفسها إلى مدخل لتسويات اضطرارية. فالتصعيد، عندما يبلغ ذروته، يُستخدم غالبًا لفرض مفاوضات تحت الضغط. غير أن هذه التسويات، إن حصلت، لن تكون حلولًا عادلة بقدر ما هي اتفاقات هشّة تُجمّد الصراع بدل معالجته.
وسط هذا المشهد، يبرز القلق الأمريكي فقط من توسّع أدوار الصين وروسيا. بكين قد تستثمر الظروف عبر وساطات اقتصادية تضمن الاستقرار الضروري لمصالحها، كما فعلت سابقا في التقريب بين السعودية وإيران، فيما تسعى موسكو إلى تثبيت نفوذها الأمني والسياسي من دون تحمّل تبعات إعادة بناء المنطقة
ولذلك يسعى ترامب إلى خلق مشاكل اضافية للأوربيين مع الروسي والصيني لتجنب دخول الصين بشكل أساسي للمنطقة .
هكذا تتقاطع المسارات صدمة أمريكية تمهّد لإعادة التموضع ، بالتزامن مع فوضى مُدارة تُربك الخصوم، وتسويات تُفرض تحت التهديد. أما الخطر الحقيقي، فلا يكمن في الحرب أو السلام، بل في الجمع بينهما ضمن معادلة تُنتج اتفاقات هشة على أرضية فوضوية.
في الخلاصة، لا يتجه الشرق الأوسط نحو استقرار دائم، بل نحو مرحلة انتقالية غامضة تُدار فيها الصراعات بدل حلّها. مرحلة قد تُقدَّم لاحقا بوصفها “حسما تاريخيا”، فيما هي في الواقع إعادة تدوير للأزمة بأدوات جديدة وقوى مختلفة.