”من أفول الامبرطوية الأمريكية، إلى اختبار الوعي الصيني، إلى معركة السيادة المعرفية في بكين: الإقتصاد كحصان طروادة، والاختراق قبل تشكل النظام متعدد الأقطاب".
التاريخ لايتحرك بخط مستقيم، بل بموجات كبرى تعيد ترتيب مراكز القوة. ومع التراجع البنيوي للولايات المتحدة، وصعود الصين كقطب مرشح لقيادة النظام الدولي، تنشط المشاريع الوظيفية بحثا عن موطئ قدم في المستقبل.
الصهيونية السياسية، بوصفها شبكة نفوذ عابرة للدول، تقرأ التحولات مبكرا، وتحاول التسلل حيث تتشكل خرائط الغد، لا بدافع الشراكة، بل بمنطق الاحتواء.
تشير تقارير صادرة عن (مؤسسة بروكينغز للأبحاث السياسية) و(مؤسسة راند للدراسات الاستراتيجية) إلى تنامي التعاون بين شركات صينية ومؤسسات مرتبطة بالكيان الصهيوني، خصوصا في مجالات (الذكاء الاصطناعي) و(الأمن السيبراني) و(التقنيات ذات الاستخدام المدني_العسكري المشترك).
هذا التوسع، وإن بدا استثماريا في ظاهره، يقرأ ضمن جينالوجيا النفوذ( تتبع نشأة وتطور السلطة). حيث يبدأ الإختراق من السوق، ويمر عبر المعرفة، قبل أن يلامس القرار.
كما حذرت دراسات صادرة عن (معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة) من مخاطر نقل المعرفة الحساسة تحت غطاء الشركات، مؤكدة أن التكنولوجيا ليست سلعة محايدة، بل عنصر سيادي.
فالتجربة الغربية أثبتت أن (القوة الناعمة) قد تتحول إلى أداة ضغط حين تغيب الضوابط.
الصين، بعقلها البراغماتي المتأثر بالحكمة الكونفوشيوسية(البراغماتية الكونفوشيوسية), لاتفصل بين(الانفتاح الاقتصادي و(الأمن القومي). لذاك شددت بكين آليات التدقيق، وقيدت نقل التكنولوجيا المتقدمة، حماية ل(السيادة المعرفية).
وفي هذا السياق يبرز الدور الواعي لحكومة جمهورية إيران الاسلامية، التي كانت من أوائل الدول كشفا لمخططات الصهيونية السياسية وأذرعها الاستخباراتية والإعلامية. وقد وثقت طهران، عبر تقارير رسمية وإحباط شبكات تجسس، طبيعة الاختراقات العابرة للحدود، محذرة من استهداف القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين الحليفة والصديقة. هذا الموقف الإيراني، القائم على الشراكة لا الوصاية، ينسجم مع رؤية بكين لنظام دولي متوازن، بعيد عن مشروع (الهيمنة).
التحذير هنا ليس إديولوجيا، بل سيميولوجيا(تحليلا دلاليا للعلاقات): قراءة للأنماط، وفهم للوظائف، وإدراك أن الإختراق حين يتزين بلغة الابتكار قد يخفي رهانات إستراتيجية بعيدة المدى.
الصين اليوم أمام اختبار تاريخي: كيف تحافظ على زخم الصعود دون الوقوع في فخ الاختراق المقنع.
ومع شركاء يدركون طبيعة المشروع الصهيوني، وفي مقدمتهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تتعزز فرص بناء (نظام عالمي متعدد الأقطاب). فاليقظة الاستراتيجية ليست ترفا فكريا، بل شرط البقاء في عالم يتغير بلا رحمة.
مفكر وكاتب سوري حر في الغربة.