بقلم :- راسم عبيدات
المفاوضات التي تحكمها معادلة " إما كل شيء أو لا شيء "كمطلب أمريكي،ورد ايراني عليها بالرفض المطلق"وليكن لا شيء"،يعني أنها وإن استمرت لبعض الوقت ولأكثر من جلسة وأكثر من وساطة وضغط اقليمي ودولي، فهي في النهاية ستصتدم بالحائط،ويعود خيار الحرب لكي يتصدر المشهد،لحسم الصراع في أكثر من ساحة وبشكل نهائي،يقول بشكل واضح ،من هو المنتصر،ويقول أيضاً من هو المهزوم بشكل بائن.
ومن هنا لا بد من القول بأن الطريق في جولة المفاوضات التي انطلقت اليوم،في مسقط بين أمريكا وايران بطريقة غير مباشرة برعاية عُمانية،ليست سهلة،وهي جاءت نتاج أهون الشرور،تأخير وقوع الحرب،وليس الغاءها أو تفاديها ،وخاصة بأن هناك تباعد في المواقف بين الطرفين الأمريكي والإيراني،ولكل طرف له شروطه التي يتمسك بها ويعتبرها خطوط حمراء غير قابل للكسر أو التجاوز.
ورغم أن ايران حققت نصراً تكتيكياً في الشكل والمضمون، بفرض جدول أعمال ببند وحيد،هو البرنامج النووي الإيراني،دون أن يشمل ذلك البرنامج الصاروخي الإيراني ولا دور ايران وعلاقاتها الإقليمية ودعمها لحركات المقاومة،وكذلك نقلها للمفاوضات من انقرة الى مسقط.
ولكن نحن نعرف أن اسرائيل تمتلك الكثير من أدوات الضغط والتأثير على القرار الأمريكي،من أجل تخريب أي اتفاق لا يعالج سوى مسألة الملف النووي الإيراني،فهي لديها لوبيات صهيونية في الإدارة العليا الأمريكية،وكثير من هم أكثر صهونية من قادة " اسرائيل" من اليمين المحافظ في الإدارة الأمريكية،سواء منهم الرئيس ونائبه جي دي فانس ووزير حربه بيت هغسيت وقائد القيادة المركزية للجيوش الأمريكية في الشرق الأوسط براد كوبر ،ناهيك عن أن الدولة العميقة هناك ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية " السي أي ايه" والبنتاغون وزعامات المجمعات الإحتكارية العسكرية والمالية،يضغطون نحو شن حرب على طهران،من أجل اخضاعها وإستسلامها،وبما يجعل "اسرائيل" متسيدة ومتزعمة للمنطقة.
نحن ندرك بأن التفاوض الذي بدأ اليوم في مسقط،هو من أجل تفادي وقوع الحرب،وليس من أجل صناعة تسوية، فأمريكا ليست مستعدة لهذه التسوية ،وكذلك اسرائيل،والتي ترفض تسوية لا تطال البرنامج الصاروخي الإيراني وعلاقات ايران بقوى وحركات المقاومة ودورها الإقليمي،وهي ترى بأن الموضوع الأهم عندها،هو ملف الصواريخ البالستية والفرط صوتية والمسيرات الإنقضاضية الإيرانية ،تلك الصواريخ والمسيرات التي وجهت ضربات قوية الى عمق " اسرائيل" وطالت مواقع وقواعد حساس أمنية واستخبارية وعسكرية وجوية ومطارات عسكرية،في حرب الإثني عشر يوماً التي شنتها " اسرائيل" وأمريكا على ايران في 12 حزيران/2025.
ولذلك هي ستستخدم كل نفوذها وثقلها كي لا يكون اتفاق امريكي- ايراني،فقط متعلق بملف البرنامج النووي الإيراني، وهي تعتبر حصول ذلك بالكارثة والخسارة الإستراتيجية الكبرى لها،وترامب الا يستطيع التوقيع على اتفاق ،لا يشمل حماية " اسرائيل" ووجودها.
وهو من أقدم على الغاء الإتفاق الأممي(5 +1)، المتعلق بالملف النووي الإيراني،الموقع في عام 2015،حيث عمل على الغائه في ايار/2018،وجاء نتنياهو ومن خلف ظهر الرئيس ،والقى خطاباً في الكونغرس ،حرض فيه على الإتفاق النووي.
أما ايران فهي تدرك وعبر التجربة، بأن أمريكا مخادعة ولا يمكن الوثوق بقيادتها،حيث تعرضت للخديعة في حرب الإثني عشر يوماً،عندما خرجت مواقف تطمينية من الإدارة الأمريكية،والمفاوضات دائرة في مسقط،بحل سلمي للملف النووي الإيراني،ولكن شاهدنا كيف خدعوا الإيراني،وانضموا الى جانب " اسرائيل" بشن غارات عنيفة على المنشأت النووية الإيرانية.وكذلك شاهدنا في أوائل كانون الثاني /2026 ،كيف كانت أمريكا شريك مباشر في السعي لزعزعة الإستقرار الداخلي في ايران،والعمل على خلق فوضى عارمة،بتوظيف الإحتجاجات الشعبية المطلبية احتجاجاً على تردي الأوضاع الإقتصادية وتراجع أسعار العملة الإيرانية ،عبر تعاون ما بين مجموعات جرى تسليحها وتمويلها وتزويدها بأحدث تقنيات التقدم التكنولوجي والذكاء الصناعي، وكذلك جرى تزويدها بأكثر من 30 ألف جهاز "ستارلنك" يربطها بالأقمار الصناعية، لتجاوز قرار قطع النت الذي استخدمته، الحكومة الإيرانية،من أجل محاصرة تلك المجموعات وكشفها.
تلك المجموعات التي عهد اليها ترامب بالإستيلاء على مدن ومحافظات،ومحاولت السيطرة على مواقع ومقرات سيادية،وكذلك استهداف رجال الأمن والمواطنين،والقول لهم بأن المساعدة قادمة اليهم في الطريق ولكن عزل تلك المجموعات وكشفها واعتقالها وقتل العديد من اعضائها،أفشل مخطط اسقاط الدولة والنظام الإيراني ،وقتل او اسر المرشد الأعلى خامينائي،المخطط فشل عبر التعاون ما بين العدوان الخارجي وقوى التمرد التي جرى الرهان عليها في الداخل.
هذه الأمثلة حاضرة في عقل المفاوض الإيراني،وهو يدرك بأن أي استجابة للشروط والإملاءات الأمريكية،بشمول برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي ودعمها لحركات المقاومة،في المفاوضات، وتقييد قدراتها في هذا الجانب،هو تقريب وتسهيل للعدوان عليها،وبشكل أسرع ودون القدرة على ردع العدوان،وبما يعني خسارة استراتيجية لإيران.
ايران استطاعت أن ترمم خسائرها العسكرية ،وان تعيد بناء قدراتها الصاروخية على نحو أوسع وبمدايات ابعد وبرؤوس تفجيرية أثقل" صاروخ خرمشهر 4 ، والذي يبلغ مداه 2000كم،ورأسه التفجيري البالغ طن ونصف،وصواريخ فتاح وخيبر وغيرها،وباتت ايران في أعلى درجات الجهوزية والإستعداد،مترافقاً ذلك مع تحصين لجبهتها الداخلية.
واضح اليوم بأن هناك تغيرات جيواستراتيجية في المنطقة،لجهة بروز قوى منافسة لأمريكا الصين وروسيا،ومتحالفة مع ايران،وكذلك هناك تغيرات في المواقف العربية والإسلامية،والتي كانت تريد الإنخراط في عام 2017 فيما يعرف بحلف " الناتو" العربي - الأمريكي لمحاربة ايران ،وكذلك ضغطها على أمريكا لشن حرب على ايران.
يبدو بأن ما حصل في سوريا،حيث دعمت اطراف عربية واقليمية ،أمريكا في إسقاط النظام السوري السابق ،تسليحاً وتمويلاً،ولكن بعد النجاح في إسقاط النظام السوري السابق،وجدنا أنه جرى توظيفهم لخدمة المشروع والمخطط الإسرائيلي،حيث اسرائيل كانت الفائز الأكبر،وهي من يقرر،ويوزع الأدوار،ويحدد الأحجام،ولذلك باتوا الآن على قناعة بأن ضرب ايران واسقاطها،سيكون على حساب مصالحهم،ومواردهم النفطية وجغرافتهم وشعوبهم،واسقاط ايران،سيجعل منهم عبيداً عند الإسرائيلي،ولذلك نشهد تغيير كبيرا في المواقف العربية والإسلامية في السنوات العشر الأخيرة،لجهة معارضة شن حرب أمريكية – اسرائيلية على ايران.
ولذلك نختم بالقول ما قاله المحلل الإستراتيجي ناصر قنديل "نحن أمام معادلة تخرج من اختبارات خشنة لفرضيّة التصعيد تتراجع معها فرص خوض الحرب كلما وصل التصعيد إلى الحافة، ونحن أيضاً أمام استعصاء سياسي في صناعة تسوية إن تضمّنت سلاح الصواريخ الإيرانية وتحالفات إيران صارت خسارة إيرانية استراتيجية، وإن تجاهلت الأمرين صارت خسارة إسرائيلية استراتيجية لا تزال أميركا غير مستعدّة لخوض غمارها من أجل إنجاز تسوية، ما يعني التفاوض يبدأ وربما يستمرّ لمنع نشوب الحرب وليس لصناعة التسوية الصعبة".
فلسطين – القدس المحتلة
6/2/2026