زيارة سلام إلى الجنوب .. وعود الدولة أم اختبارها ؟
مقالات
زيارة سلام إلى الجنوب .. وعود الدولة أم اختبارها ؟
عباس المعلم
8 شباط 2026 , 18:03 م

بقلم ( عباس المعلم )

ليست بعضُ الزيارات مجرّد محطات بروتوكولية عابرة، بل تتحوّل في لحظاتٍ مفصلية إلى شهادات تاريخية على الخراب، وإلى امتحان أخلاقي للدولة أمام شعبها. هكذا بدت جولة رئيس الحكومة اللبنانية في جنوب لبنان؛ لا كحدثٍ إداري، بل كوقوف مباشر أمام الحقيقة العارية: أرضٌ مثخنة بالجراح، وذاكرةٌ مثقلة بالدم، وجغرافيا تحرسها المعاناة أكثر مما تحرسها السيادة.

عاين رئيس الحكومة اللبنانية على أرض الواقع حجم الدمار الذي ألحقه العدو بجنوب لبنان. جاءت زيارته بعد أكثر من عام على تولّيه رئاسة الحكومة، وكان قد اطّلع سابقاً على ما جرى عبر التقارير الرسمية والوثائق الحكومية، غير أنّ الفرق شاسع بين معرفةٍ مكتوبة ومعاينةٍ حيّة. فالجولة الميدانية كشفت له ما أصاب الحجر من تهدّم، وما لحق بالبشر من وجع، وما أصاب الحياة نفسها من تصدّع وجودي عميق. شاهد مواقع الاحتلال على الأراضي اللبنانية، ورافقته عيون العدو من مواقع التمركز المحتلة، ومن سماءٍ ازدحمت بعشرات المسيّرات الاستطلاعية والمسلّحة، في مشهدٍ يجسّد حقيقة الاحتلال الدائمة: سيطرةٌ بالنار، ورقابةٌ بالخوف، وحضورٌ بالقهر.

وعلى الأرض، لم تكن الطرقات وحدها شاهدة، بل كانت الوجوه. رافقته صور آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، ووجوه العائلات المنكوبة التي تحمل في ملامحها سردية الجنوب كلّها: الفقد، الصبر، الكرامة، والانتظار الطويل لدولةٍ لم تكتمل. مبدئياً، مجرّد قيام الرئيس نواف سلام بهذه الجولة يُسجَّل له كخطوة إيجابية: رأى، واستمع، وتحقّق. غير أنّ الوعود التي أُطلقت بدت، كغيرها من وعود كثيرة سبقتها، متأرجحة بين أكثر مما يمكن تحقيقه، وأقلّ بكثير مما يستحقه أهل الجنوب، الذين يدفعون منذ عقود ثمن مواجهة الاحتلال، وثمن غياب الدولة عن واجباتها في الحماية والإنماء والحقوق.

غير أنّ جوهر الزيارة لا يكمن في المشهدية ولا في التصريحات، بل فيما لمسه سلام من أهل الجنوب أنفسهم. فقد أثبتوا، مرةً أخرى، أنّهم الأكثر إيماناً بالدولة في هذا الوطن، لا بالشعارات، بل بالممارسة الواقعية وبالموقف السياسي والأخلاقي. أثبتوا أن كل ما جرى عليهم هو نتيجة مباشرة لغياب الدولة وتخلّيها عن مسؤولياتها في الدفاع والحماية والإنماء. وتجلّى هذا المعنى أيضاً في الحفاوة السياسية التي عبّر عنها نواب المنطقة من حركة أمل وحزب الله، في رسالة واضحة المعالم: نحن أبناء الدولة، ولسنا نقيضها، نحن جزء من بنيتها وعمود من أعمدتها، ولسنا مشروع قطيعة معها.

أهل الجنوب قالوا كلمتهم بوضوح لا يحتمل التأويل: فلتتفضل الدولة وتبسط سيادتها على آخر حبّة تراب من الجنوب، سيادةً عسكرية وأمنية ودفاعية، واقتصادية واجتماعية وإنمائية. قالوها بدمائهم، بجراحهم، بقهرهم، وبصبرهم الطويل. وفي المقابل، وعد رئيس الحكومة بأن تتولى الدولة فعلياً كل ما يلزم أهل الجنوب، وهنا تحديداً يتكثّف السؤال التاريخي الكبير، وتُختزل المعضلة اللبنانية المزمنة: هل تستجيب الدولة أخيراً لنداء الجنوب المفتوح منذ عام 1948 حتى اليوم؟ هل تتحوّل الوعود إلى سياسات، والتصريحات إلى مؤسسات، والكلمات إلى حماية، والسيادة إلى واقع؟ أم تُعاد إنتاج المأساة ذاتها كما جرت العادة، فتُكتب وعود الدولة بحبرٍ على ورق، بينما يُكتب مصير الجنوب بالدم والرماد؟ إنها ليست مسألة زيارة، بل مسألة خيار تاريخي: إمّا دولةٌ تحضر، أو فراغٌ يتكرّس؛ إمّا سيادةٌ تُبنى، أو احتلالٌ يتغذّى؛ وإمّا وطنٌ يحمي أبناءه، أو أبناءٌ يُتركون وحدهم في مواجهة المصير.

عباس المعلم - كاتب سياسي