انتخابات في موعدها… أم تأجيل تقني يخبّئ إعادة صياغة التوازنات..؟!


عباس المعلم - كاتب سياسي
مقالات
انتخابات في موعدها… أم تأجيل تقني يخبّئ إعادة صياغة التوازنات..؟! عباس المعلم - كاتب سياسي
عباس المعلم
27 شباط 2026 , 11:59 ص

بقلم ( عباس المعلم )

في لبنان، لا تُقاس الاستحقاقات بمواعيدها الدستورية فحسب، بل بميزان القوى الذي يسبقها ويليها. على الورقة والقلم، الانتخابات النيابية في موعدها: لا عوائق قانونية، ولا موجبات دستورية تُحتِّم التأجيل. غير أنّ السياسة في لبنان ليست علماً حسابياً، بل هندسة توازنات دقيقة يتداخل فيها المحلي بالإقليمي، والعلني بالمضمر. ومن هنا، يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل نحن أمام استحقاق سيجري في زمنه الطبيعي، أم أمام “تأجيل تقني” يُراد له أن يكون استراحة لإعادة ترتيب الأوراق، أو نافذة انتظار على تبدلات إقليمية يُراد لها أن تنضج قبل فتح صناديق الاقتراع؟

حتى اللحظة، لا ذريعة قانونية تمنع إجراء الانتخابات. المهل قائمة، والآليات متاحة، والقدرة اللوجستية متوافرة. سياسياً، يقود فريقٌ واضح المطالبة بإجرائها في موعدها، يتقدّمه حركة أمل وحزب الله، ويليهما الحزب التقدمي الاشتراكي وهو فريق يقرأ في عامل الوقت مصلحة مباشرة، إذ لا تحمل الاستطلاعات مؤشرات انقلاب دراماتيكي على أحجامه. في المقابل، يقف التيار الوطني الحر في منطقة رمادية؛ يعلن تأييده إجراء الانتخابات في موعدها، لكنه لا يُقفل الباب أمام احتمالات التأجيل، متذرعاً أحياناً بضغوط محلية وخارجية، وأحياناً أخرى بحاجات تقنية مرتبطة بالقانون الانتخابي. أما رئيس الجمهورية جوزيف عون، فيؤكد عزمه على احترام المواعيد الدستورية، مع إبقاء هامش مناورة مفتوحاً تحسباً لضغوط خارجية أو مطالبات داخلية بتأجيل تقني بذريعة تعديل القانون أو تقديم موعد الاستحقاق إلى مطلع الصيف لتسهيل مشاركة المغتربين.

في الضفة الأخرى، تنشط القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية انتخابياً، وخصوصاً “القوات” التي باشرت عملية تبديل شبه جذرية في لوائحها، مستبدلة عدداً من النواب الحاليين بوجوه جديدة من رجال أعمال وشخصيات ذات حضور مالي واقتصادي. ومع ذلك، لا يبدو أنّ هذين الحزبين يتمسكان بموعد الاستحقاق تمسكاً صلباً، إذ تميل مواقفهما إلى قبول تأجيل يتراوح بين شهرين وستة أشهر. خلف هذا التموضع، تبرز حسابات تتجاوز الداخل إلى الإقليم؛ فالتصعيد الأميركي تجاه إيران يُقرأ لبنانياً كعامل قد يعيد رسم التوازنات، وخصوصاً ما يتصل بوضعية حزب الله. أي تبدل في الإقليم قد ينعكس مباشرة على طبيعة التحالفات وأحجام الكتل، ما يجعل الوقت عنصراً سياسياً بامتياز، لا مجرد تفصيل إجرائي.

إلى ذلك، ثمة حرص أميركي – سعودي – فرنسي على بقاء نواف سلام في رئاسة الحكومة أطول فترة ممكنة، أو على الأقل ضمان عودته إلى السراي بعد الانتخابات. غير أنّ المؤشرات الأولية لتركيبة المجلس المقبل تجعل هذا الاحتمال بالغ الصعوبة، إن لم يكن شبه مستحيل، في ظل إعادة تشكّل كتل وازنة قادرة على فرض معادلة مختلفة. أحد مفاتيح النقاش الدائر حول التأجيل يكمن في مصير مقاعد ما سُمّي بالمستقلين والتغييريين، حيث تشير التقديرات إلى احتمال خسارة ما بين 11 و13 مقعداً من أصل 15. السؤال لا يتعلق بالخسارة في حد ذاتها، بل بالوجهة السياسية لهذه المقاعد: هل ستذهب إلى قوى مصنّفة في المحور الأميركي – السعودي، أم ستتوزع بين تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي والثنائي الشيعي، مع إمكانية استعادة التيار الوطني الحر مقعداً، وحصول تيار المردة على آخر شبه محسوم؟

الأكثر حماسة للتأجيل، وفق المعطيات المتداولة، هو فريق “كلنا إرادة” المحيط برئيس الحكومة، الذي يرى أن ميزان النتائج لا يصب في مصلحته. فالتأجيل هنا ليس تقنية إدارية بقدر ما هو محاولة لشراء الوقت، ريثما تتضح اتجاهات الريح الإقليمية. أما في ما يتصل بمحاولات خرق التكتل الشيعي، فتبدو الأرقام حاسمة: أقل من 30 في المئة احتمال لخرق مقعد واحد من أصل 27، وهو ثبات يزعج واشنطن، فيما بدأت الرياض تتعامل معه بواقعية أكبر، متقبّلة حدود التأثير الممكن.

العقدة الأبرز تبقى في عودة سعد الحريري وتيار المستقبل إلى المعترك الانتخابي. خطاب الحريري الأخير وتفعيل ماكينة “المستقبل” يوحيان بأن العودة شبه محسومة، وتشير استطلاعات محايدة إلى إمكانية حصد كتلة لا تقل عن خمسة عشر نائباً، على حساب التغييريين والقوات اللبنانية تحديداً. السعودية، حتى تاريخه، لم تُبدِ حماسة واضحة لعودة “المستقبل”، إلا أنّ التيار الأزرق يبدو أنه تجاوز الفيتو غير المعلن، واضعاً الرياض أمام معادلة معقدة قد تدفعها، عاجلاً أم آجلاً، إلى إعادة التموضع تجاه الحريري.

إذا دخل “المستقبل” هذا الاستحقاق، فإن مشهداً سياسياً جديداً سيرتسم: ائتلاف حاكم محتمل يضم الثنائي الشيعي والحزب التقدمي الاشتراكي و“المستقبل” والتيار الوطني الحر وتيار المردة ائتلاف من هذا النوع لن يكرّس دوراً محورياً لرئيس الجمهورية كما هو عليه الآن، ولن يُنتج بالضرورة رئيس حكومة على شاكلة نواف سلام بل سيعيد إنتاج معادلة تسوية داخلية صلبة عنوانها إدارة التوازن لا كسره، وترميم النظام من داخله لا قلب الطاولة عليه.

في ضوء كل ما سبق، يبقى التأجيل القصير شهرين إلى ثلاثة ، احتمالاً وارداً إذا اقتضت الضرورات الإقليمية أو الحسابات المحلية ذلك، لكنه حتى لو حصل لن يغيّر في النتائج المتوقعة بنسبة تتجاوز 15 في المئة. أما التأجيل الممتد لأكثر من ستة أشهر، فيبدو مستبعداً، لأن معناه العملي أن المجلس المقبل سيُنتخب رئيس الجمهورية التالي، ما يفتح الباب أمام صراع دستوري وسياسي كبير يتجاوز حدود “التقني” إلى إعادة صياغة النظام نفسه. لبنان يقف اليوم بين ساعة الرمل التي تقيس الوقت الدستوري، وساعة الحسم التي تقيس ميزان القوى. المرجّح أنّ الانتخابات ستجري، سواء في موعدها أو بعد تأجيل محدود، لكن الأكيد أنها لن تكون مجرد استحقاق نيابي عابر، بل محطة لإعادة تثبيت خرائط النفوذ الداخلي وبلورة تسوية جديدة بظل إقليم يتغيّر ببطء. ففي السياسة اللبنانية قد يتأخر الاستحقاق، وقد تُمدَّد المهل، لكن الاتجاه العام للرياح يبقى أقوى من كل محاولات تأجيل الزمن ..

عباس المعلم - كاتب سياسي