فضائح إبستين تصنّفُها الكاتبة في إطارِ تاريخِ التوحُّشِ الرأسمالِيّ الطويل ، بالمعنيين الحرفي والمجازي ...
«السُلطة تميل إلى أن تُفسِد، والسلطة المُطلقة تُفسِد فساداً مُطلقاً» ـــــ لورد أكتون
بشّرت الحداثة الرأسمالية، لحظة تشكّلها، بأنها سترتقي بالبشرية في مضمار العقل والتقدّم، عبر ما روّجت له عن تحرير الطاقات ومضاعفة الإنتاج ورفع مستوى الحياة. لكنها، في صورتها الجليّة المتوحشة، أعادت إنتاج أقدم منطق عرفه التاريخ البدائي للبشرية: عصر «آكلي لحوم البشر». وبغض النظر عمّا إذا كان هذا المصطلح حرفياً أم مجازياً، فقد توالى آكلو لحوم البشر على هذه الأرض يعيثون فيها فساداً، قبل التحضّر، وبعد «التنوير»، وحتى في أكثر العصور «تحضّراً».
لا داعيَ إلى أن ندخل في سردية «انظروا إلى توحّش حائكي السياسات الإمبريالية» الذين جمعتهم جزيرة إبستين، فالمُضطهَدون، الذين رأوا وشهِدوا بدمائهم وأرواحهم مدى وحشية هؤلاء، لن تشكّل «وثائق إبستين» نقطة صادمة بالنسبة لهم.
ولكن ما يبدو بحاجة إلى تسليط الضوء عليه، هو أن هذه الوثائق، في جوهرها، تُظهر أعلى مراحل السادية، متى ما كان الإجرامُ والتوحّشُ يُرتكبانِ كهوايةٍ لـ«المُتْعةِ»ولـ«التَّلذُّذِ»،ولإعادةِ ترسيخِ الشعورِ بـ«الألوهية» و«السيطرةِ المُطْلَقة».
فما أظهرتهُ الوثائقُ المُسرّبةُ من أعمال توحّش بشري، بَدءاً بخطفِ قاصرينَ وقاصراتٍ، واغتصابٍ لِلأطفال، والمتاجرةِ بالبشر، وُصولاً إلى حدِّ ما كُشفَ في مُراسلاتِ جورج بوش الأب، عن طقوسِ توحّشٍ غريبة، يتوسّطُها طِفلٌ مُقطّعُ الأوصالِ، (بغضِّ النظرِ عَمَّا إذا كانَ صحيحاً ما قيلَ عن أكلِ لحومِ البشرِ هناك)، كُلُّها مُمارساتٌ لم تكنْ عَرَضِيةً في التاريخِ البشريّ، أو لحظةً صادمةً في تشكُّلِها، بل مَن ينظرْ في تاريخِ الاستعمارِ، يَرَ أنَّها قمّةُ ما وصلَ إليهِ العقلِ المُستعمِرِ من مُمارساتٍ، بعد عقودٍ من تكريسِ «تَفَوُّقِهِ الإنسانيّ» على الشعوب المُضطَهدة.
وهنا، نبدأُ سَرْدَ تاريخِ التوحّشِ الاستعمارِيِّ من أرضٍ شَهِدَتْ كلَّ ما لا يُمكِنُ للعقلِ البَشَرِيِّ أنْ يتصوَّرَهُ من تَوَحُّش:
أميرِكا اللاتينية.
هُناكَ، حيثُ سعى المُستعمِرون، المُنتصرون، والكاتبون للتاريخ بطبيعة الحال، إلى تقديمِ الشعوبِ الأصليةِ بِوَصْفِها «متوحشة» و«آكلةً لِلُحومِ البشر»؛ وهذا ما روّجَ له عدد من المؤرخين والمُستكشفين الأوروبيين، وعلى رأسهم المستكشفُ الألمانِيُّ هانس ستادن في كتابه «True story»، عمّا سُمّي «الممارسات الكانّيبلية» التي تقول: إنّ السكانَ الأصليين، ومنهم قبائل Tupinamba في البرازيل، كانت قبائلَ هَمجيّةً تأكلُ لحومَ البَشَر، ما يُبرّر استعمارَها لِلوُلوجِ بِها إلى مروجِ الحضارةِ والتنوير.
ولكنّ ما نُقِلَ لم يكنْ كَذباً بالمُطلَق، فقد شوهِدَتْ هذه الممارساتُ حقاً، ولكنها كانت ممارساتِ المُستعمِرينَ بحقِّ السكانِ الأصليين.
فقد أثبتَ علماءُ آثارٍ، منَ المؤسسةِ الوطنيةِ للتاريخِ الطبيعي Smithsonian وغيرُهم، أنَّهُ في مستعمرةِ جيمس تاون الإنكليزيةِ في فيرجينيا (1607–1609) أشارت الأدلّةُ الأثريةُ إلى وجودِ دليلٍ فِعليٍّ على أكل المستوطنينَ لحومَ السكانِ الأصليين، وغيرِها منَ الممارساتِ كتقطيعِ الأطفالِ وشَوْي قِطَعِهم على النار.
من جهته، يخصّصُ أمين معلوف في كتابه «الحروبُ الصليبيةُ،كما رآها العرب» الذي استندَ فيهِ إلى نصوصٍ مِنَ الِكرونولوجِياتِ الصليبية، فصلاً كاملاً تناولَ فيهِ ما ارتكبَهُ الصليبيونَ من أفعالٍ وحشيةٍ، بعد حصارِ مدينة معرّة النعمان وفتحها، في سورية عامَ 1098، خلالَ الحملةِ الصليبيةِ الأولى، من طبخِ بعضِ القتلى وَشَيِّ الأطفالِ على الأسياخِ وأكلهم.
ولكن، يبقى ما حدثَ خلالَ حصارِ سَرايِيڤو نقطةَ الفصل. إذ تُورِدُ تقاريرُ نَشَرَتْها وسائلُ إعلامٍ غربيةٌ أواخرَ عام 2025، مثل «رويترز» و«الغارديان»، والتي استندت إلى رِواياتِ شهودٍ أوْرَدَها وثائِقِيُّ Sarajevo Safari، عمّا سُمِّيَ «سياحةَ القنصِ»، حيث دفع أثرياءُ من إيطاليا، ومن دولٍ أوروبيةٍ أُخرى، كفرنسا وألمانيا وإنكلترا، مبالغَ كبيرةً، بما يُعادِلُ 80 ألفاً إلى 100 ألف يورو لكل رحلة، لقواتِ صَرْبِ البوسنة،لكي يَنقلوهم إلى التِّلالِ المُحيطةِ بسراييڤو، لِيُطلِقوا النارَ على المدنيينَ، كنوعٍ مِنَ «التَّرْفِيه»، أو ما سُمِّيَ «قنصَ الحَشائشِ البشرِيّة».
وفقاً لِعِلمِ النفسِ الاجتماعِيّ، يَظْهَرُ هذا السلوكُ عِندَ المُستعمِرين، لا سيما عندَ بعضِ الجماعاتِ الكثيرةِالثَّراءِ، لِأسبابٍ عَديدةٍ تُغَذِّيها الرأسمالية، ومنها تآكُلُ الحدود، أي عندما يعيشُ الشخصُ طويلاً، في بيئةٍ لا تحاسِبُ على هذا السُّلوكِ، ويَحظى صاحبُهُ بحصانةٍ سياسيةٍ واجتِماعيّة، ويُعامَلُ كاسْتِثنْاء، إذ تُبَرَّرُ تصرُّفاتُهُ، وفقاً لِألبرت باندورا، وتُشَيَّءُ الضحايا ويُلْقى اللومُ عليها.
أمّاالسلطةُالمُطلقة،أو"الألوهيةُ" عندَ هذِهِ النُّخَبِ التي اكْتَسَبَتْها عَبْرَ عُقودٍ من الشُّعورِ بِالتَّفَوُّق، وثَبَّتَتْ جُذورَها الرأسماليةَ، فهيَ التي تلعبُ دَوْراً حاسماً في مُمارساتِها.
هذا النَّوعُ مِنَ البشرِ يشعرون بأنَّهُم «آلهةٌ»، تَمْتَلِكُ سُلْطَةَ الحياةِ والموتِ وتقريرِ مصيرِ البشرِ، وكُلِّ مَنْ يرونَهم «دون»، بَلْ والعالمُ بِأسْرِهِ أيْضاً.
كما تلعبُ «عدوى المجتمعاتِ المغلَقةِ» دوراً أساسياً في هذا المضمار؛ إذْ تُوَفِّرُ البيئةُ المُغْلَقَةُ، كما «إبستين»، بيئةً - بُرْجوازِيُّةً نُخْبَوِيّةً مُنْحِرِفَةً - مِثاليةً لِبَلْوَرَةِ الهُوِيَّةِ بِشَكْلٍ مُكَثَّفٍ ومُحَدَّدٍ، ويَلْعَبُ الضَّغْطُ مِنْ أجْلِ التَّجانُسِ دَوْراً حاسِماً فيها.
وهكذا يُطَبَّعُ الِانْحِرافُ الذي أصبحَ «سرّاً مُشْتَرَكاً»، هو في أصْلِهِ رابطُ الولاء.
بِالتّالِي، يَتَحوَّلُ ما كان قبلاً «سلوكاًصادماً»،داخلَ الْجَماعةِ، إلى «سلوكٍ عادي»ما دام جميعُ مَنْ هم داخلَ هذِهِ الجماعةِ يَفْعَلُونهُNormalization)
of deviance) .
على ضوء ِذلك، فإنَّ هؤلاء لا يعتبرون«وثائق إبستين» حَدَثاً شاذاً، أو انحرافاً فردياً داخل نظامٍ سليم، بل مرآةً انعكست عليها البِنْيَةُ الإنسانيةُ العميقةُ لِطَبَقةٍ اعْتادَتِ الْعَيْشَ كـ«آلهةٍ» في يَدِها مصيرُ العالم، وسَطَ نظامٍ رأسمالِيٍّ كرّسَ التَّوَحُّشَ كحقٍّ طَبِيعِيٍّ لِمَنْ يَتَرَكّزُ في أيديهِمُ المالُ والسُّلطة، يُمارسهُ ضِدَّ مَنْ هُمْ بِنَظَرِهِ مُجَرَّدونَ مِنْ إنسانِيَّتِهِم.