”في فلسفة الردع القانوني حين تتحول الشرعية إلى سلاح، ويغدو العدوان خطأ لا يغتفر".
ليست طهران كيانا يبحث عن صدام، بل دولة تعرف بدقة متى يصبح الصبر مسؤولية قانونية، ومتى يتحول السكوت إلى تفريط بالسيادة. في منطق الدول الراسخة، لا تقاس القوة بما يقال، بل بما يترتب على من يقدم. وهنا تحديدا يبدأ الرعب الحقيقي: رعب الحسابات، لا رعب الانفعال.
لقد راكمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبر عقود، نموذجا خاصا في الردع المركب: مزيج من الشرعية الدولية، والحق السيادي، والجاهزية الدفاعية، والحق السيادي، هذا النموذج لا يلوح بالخراب، بل يضع المعتدي أمام سلسلة نتائج لايمكن تعطيلها: سياسية، قانونية، إستراتيجية، واقتصادية. فالعدوان، في هذا السياق، ليس مغامرة عسكرية، بل جريمة موصوفة ذات كلفة تصاعدية.
إن الإعتداء على دولة عضو في الأمم المتحدة، ذات سيادة معترف بها، وشعب متماسك، لا يقرأ حدثا تكتيكيا، بل خرقا تأسيسيا للنظام الدولي نفسه. وهنا تنتقل المواجهة من ساحة النار إلى فضاء أوسع: المحاكم، الشرعيات، التحالفات، والمساءلة التاريخية.
من يبدأ العدوان لايختار زمن نهايته، ولا يملك التحكم بمساراته الارتدادية.
تدرك طهران أن الحرب الحديثة لم تعد مدافع فقط، بل شبكة تفاعلات: أسواق، طاقة، ممرات، توازنات، وسمعة دولية. ومن يظن أن العبث بأمنها سيبقى محصورا في حدود ضيقة، إنما بستخف بمنطق التشابك العالمي، حيث يتحول الخطأ الواحد إلى سلسلة أزمات متراكبة.
أما وحدة الشعب الإيراني العريق العتيق العظيم، فهي ليست شعارا تعبويا، بل حقيقة سوسيولوجية_ سياسية أثبتت قدرتها على امتصاص الضغوط وتحويلها إلى تماسك. هذه الوحدة هي الضمانة الأولى لأي رد مشروع. وهي ما يسقط أوهام الرهان على الداخل، ويحولها إلى مخاطرة أخلاقية وقانونية على من يراهن.
طهران، إذ تحذر، تفعل ذلك من موقع المسؤولية لا التهور. وهي حين تؤكد حقها في الدفاع، تستند إلى نصوص صريحة في القانون الدولي، وإلى سوابق تاريخية تجعل كل عدوان مغامرة بلا مظلة شرعية. هنا يصبح الرد ليس خيارا، بل واجبا سياديا.
في هذا السياق، تتجلى الحقيقة الكبرى: الردع ليس تهديدا، بل نظام إنذار مبكر. ومن يتجاهله، لا يواجه دولة فقط، بل يفتح على نفسه أبوابا من المحاسبة لا تغلق. هكذا تقف عاصمة نقشت آيات القران بالمسك والعنبر والزعفران والريحان_ راية خفاقة عالية_ لا لأنها تبحث عن العاصفة، بل لأنها تعرف كيف تجعل الريح تفكر ألف مرة قبل أن تهب.
مفكر وكاتب دمشقي حر في الغربة.