حين يتحوّل الحلم إلى مشروع أمة
‏ قراءة في رواية «عندما يتوهّج الحلم»
مقالات
حين يتحوّل الحلم إلى مشروع أمة ‏ قراءة في رواية «عندما يتوهّج الحلم»
وائل المولى
11 شباط 2026 , 05:00 ص

‏في لحظةٍ عربيةٍ مثقلة بالهزائم والأسئلة، كتب الراحل الدكتور عبد الله الأحمد روايته «عندما يتوهّج الحلم» بوصفها تمرّدًا على زمن الانكسار، لا مجرد عملٍ أدبي عابر. فمنذ مسودتها الأولى في مطلع السبعينيات، بدت الرواية كأنها مشروع فكري واستشرافي يسبق عصره، يرسم ملامح مستقبلٍ عربي محتمل بدل الاكتفاء بوصف حاضرٍ مأزوم. ولهذا لم يكن غريبا أن يصفها الشاعر نزار قباني بـ «البشارة»؛ فهي نصٌّ يكتب الأمل بلغة الرؤية، لا بلغة التمني.

‏تنتمي الرواية إلى ما يمكن تسميته بالأدب التنبؤي أو الاستشرافي، إذ لا تكتفي بسردٍ حكائي تقليدي، بل تبني تصورا متكاملا لمستقبل المنطقة حتى عام 2035. لم يقدّم الأحمد بطلاً فرديًا ((خالد )) بقدر ما قدّم فكرة أن الحلم العربي يمكن أن يتحوّل إلى مشروع إذا اقترن بالعلم والتخطيط والإرادة السياسية. وهنا تكمن فرادة العمل؛ فهو يمزج بين الخيال الأدبي والتحليل الاستراتيجي، ليجعل من الرواية مساحةً للتفكير في ما لم يحدث بعد، لا للهروب من الواقع.

‏أبرز ما يلفت في النص قدرته على استشراف عالمٍ تقني لم يكن قائما زمن كتابته. فقد تخيّل الكاتب وسائل اتصال تشبه الهواتف المحمولة والإنترنت، وشاشات عرض في الطائرات تتيح للركاب متابعة الأخبار وإدارة الأعمال، بل وتنبأ بقطارات وحوامات فائقة السرعة تعمل بالطاقة النظيفة والسيال المغناطيسي. لم يكن ذلك ترفا خياليا، بل تأكيدا على أن النهضة لا تتحقق بالشعارات، بل بامتلاك أدوات العلم والتكنولوجيا. وكأن الرواية أرادت أن تقول إن المستقبل لا يُستعاد بالحنين إلى الماضي، بل بصناعة أدوات القوة في الحاضر.

‏ومن أكثر مشاهد الرواية دلالةً على سبْقها الزمني ذلك الذي ينجح فيه فرد في السيطرة على قمرٍ صناعي لبث أخبار مضللة تثير الفوضى. قراءة مبكرة لعصر «السوشال ميديا» والانفلات الرقمي الذي نعيشه اليوم، حيث تتحول المعلومة إلى سلاحٍ قادر على زعزعة المجتمعات وتزييف الحقائق. لقد أدرك الأحمد، قبل عقود، أن معارك المستقبل لن تكون عسكرية فقط، بل إعلامية ومعرفية أيضًا.

‏لكن عمق الرواية لا يتوقف عند التكنولوجيا، بل يمتد إلى سؤال الهوية. فهي تطرح مفهوما للعروبة بوصفها هوية حضارية لا عرقا مغلقا، وتؤكد أن المشروع النهضوي لا يكتمل إلا بقدرة الأمة على استيعاب تنوعها وصهر طاقاتها المختلفة في رؤية مشتركة. ومن خلال شخصياتها، تلمّح إلى أن الحضارة الحقيقية تُقاس بالعدل والكفاءة والقدرة على بناء مشروع جامع، لا بنقاء الدم أو الانتماء الضيق.

‏تتجسد هذه الرؤية في رموزٍ لافتة داخل الرواية:

‏«نافورة الحرية» التي تمثل ميثاقا للكرامة الإنسانية والحقوق الفردية.

‏«مؤتمر الرباط» الذي يجمع بين التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ليؤكد أن الطريق إلى المستقبل يمر عبر التكامل العملي قبل الشعارات.

‏بهذا المعنى، تبدو الرواية أقرب إلى بيانٍ فكري متخفٍ في هيئة نص أدبي؛ فهي لا تقدّم حلمًا رومانسيا ساذجا، بل تحاول تحويل الحلم إلى مشروع قابل للتخيّل. إنها تذكّر القارئ بأن الهزائم ليست قدرا نهائيا، وأن التاريخ لا يسير في اتجاهٍ واحد.

‏ورغم مرور عقود على كتابتها، ما تزال «عندما يتوهّج الحلم» نصا حيا في راهنيته. فالأسئلة التي طرحتها حول المستقبل والهوية والقدرة على الفعل ما تزال قائمة، وربما أكثر إلحاحا اليوم. وفي زمنٍ يبدو فيه الواقع العربي مثقلا بالصراعات، تعود الرواية لتذكّر بأن فقدان الحلم أخطر من فقدان المعركة، وأن الأمم التي تتخلّى عن رؤيتها للمستقبل تفقد قدرتها على صناعته.

‏ليست هذه الرواية وعدا بانتصارٍ سريع، ولا خطابا دعائيا، بل محاولة جادة لكسر زمنٍ عربي مأزوم عبر استعادة القدرة على التخيل. إنها رواية كُتبت في الماضي لتُقرأ في الحاضر، وتُستلهَم للمستقبل؛ نصٌّ يصرخ في وجه اليأس بأن الحلم، إذا اقترن بالعلم والتخطيط، يتحوّل من وهمٍ عابر إلى طاقةٍ دافعة للتاريخ.

‏وهكذا تبقى «عندما يتوهّج الحلم» أكثر من رواية؛ إنها دعوة لأن تحلم أمةٌ بجدّية. لأن الحلم، حين يتوهّج، قد لا يكتفي بإضاءة الخيال… بل قد يشعل طريق التاريخ نفسه.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري