في الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني الحالي كان خبر الإطاحة بالجنرال الأقوى في قيادة الصين العسكرية “تشانغ يوشيا” حدث غير عادي والدلالات قد تكون جد خطيرة و و ربما ليست داخلية بحتة , فهو لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان الممثل الوحيد لـ الجيل الثاني من الشيوعيين في المكتب السياسي إلى جانب شي جين بينغ.
هو ابن أحد الجنرالات المؤسسين الذي قاتلوا إلى جانب والد شي جين بينغ رجل الصين الاول الحالي ، وكان “ تشانغ” على علاقة وثيقة مع شي جين بينغ منذ الصغر وكان يعتبر كاتم أسراره و المخلص لم يكن لمكانته في السياسة الصينية اي منازع ، على ما يبدو أن الحملة التطهيرية في صفوف الجيش الصيني تختلف اختلافا جذريا عن حملات مكافحة الفساد السابقة المستمرة وقرار شي جين بينغ باعتقال أقرب وأوثق الجنرالات له " تشانغ يوشيا" هو دليل على أن قرار شي جين بينغ في إعادة تايوان ليس مجرد كلام او ان هناك محاولة ما في السيطرة على الجيش ، إن جيش التحرير الشعبي بقيادة تشانغ يوشيا هو الأداة الرئيسية لتحقيق هذا الهدف أثبت أنه مجرد وهم وغير حقيقي و كانت نقطة التحول بقرار “شي جين بينغ” بعد اتهام الجنرال"هي وي دونغ" الخصم السياسي لتشانغ ، أن جيش التحرير الشعبي الصيني يدعي قدرة قتالية وهمية وقد عززت الفضائح التي وقعت داخل قوة الصواريخ هذا التقييم وهذا يعتبر نهيارا بنيويا عميقا في منظومة الأسلحة التي أشرف عليها "تشانغ" لسنوات طويلة ، كما أن سقوط وزير الدفاع " لى شنغ فو" والإخفاقات الخطيرة في نظام مكافحة التجسس التابع لجيش التحرير الشعبي وأحد أسباب التغلغل او التاثير ربما الأمريكي العميق في مفاصل القوات المسلحة ، بالتالي إبقاء الجنرال تشانغ يعني الشلل في خطة استعادة تايوان واستمرار الفساد وعدم الكفاءة.
إنها مشكلة الحرس القديم و تغلغل الفساد في الجيش حتى النخاع وكان تشانغ يوشيا نفسه العقبة الرئيسية أمام إصلاحات شي جين بينغ الشاملة و معروف أن تشانغ يمثل النخبة الأرستقراطية العسكرية بشبكات مصالحها المتجذرة التي كانت تعيق تطوير القدرات القتالية لفترة طويلة عبر مبدأ " تكريس المصالح" بدلا من "إعطاء الأولوية للاستعداد للحرب " وربما الاستباقية واولوية الدفاع عن مصالح الصين الاستراتيجية ،وهو ما بدا فعلا في انخراط الصين الفعلي في دعم طهران على المستوى التقني والعسكري الدفاعي , لذلك كان من الضروري على شي جين بينغ إعادة تشكيل الجيش بقيادات تطيع أوامر القائد الأعلى طاعة عمياء بعد إزاحة تشانغ الذي كان يسيطر على الشؤون العسكرية اليومية ، بل كان عليه أيضا تطهير دائرته الأقرب مثل ليو تشنغ لي و تفكيك نظام القيادة العليا برمته والقضاء على "العقلانيين" - أولئك الذين لم تكن لديهم نية لخوض أي حرب فعلية وهذا ما أقدم عليه شي جين بينغ بتعيين قادة عسكريون جدد، ذو نفوذ سياسي محدود ولكن بدرجة عالية من التبعية والانضباط مما يضمن تنفيذ الأوامر المستقبلية دون أدنى اعتراض.
عدم التكرار ومحاولة استباق الأحداث..
عام 1971، بينما كان ماو تسي تونغ يستعد للتخلص من نائب الرئيس آنذاك “لين بياو”، الذي حاول فجأة الفرار إلى الاتحاد السوفييتي و لقي حتفه في حادث تحطم طائرة ، مما أدى لتقويض سلطة واهتزاز الموقع القيادي و المعنوي ل “ ماو” بشكل كبير، و يبدو مع اقتراب ولايته الرابعة، أصبح شي جين بينغ أكثر تشددا تجاه أي تهديدات محتملة من داخل دائرته المقربة حيث كان بإمكان تشانغ استغلال علاقاته مع قادة عسكريين بسهولة تدبير انشقاق بارز أو انقلاب أو حتى محاولة اغتيال لذلك كان على شي جين بينغ تحييد هذا الخطر باتخاذ إجراء استباقي والقضاء على تشانغ قبل أن يتمكن من الرد او البدء بأي تحرك ، وبالتالي ردع القيادة العسكرية بأكملها و منع المنافسين المحتملين من التفكير في مثل هذا الاحتمال جاءت عملية اعتقال تشانغ يوشيا على الرغم من أن صورته باقية في قائمة أعضاء المكتب السياسي على موقع وكالة أنباء شينخوا والتي تضم أسماء كبار قادة الحزب الشيوعي الصيني كما ورد اسمه، إلى جانب اسم ليو تشنغ لي ضمن قائمة قادة اللجنة العسكرية المركزية ، بينما الوحيدة صحيفة الشعب اليومية التي ظهرت في صفحاتها تعليقات على قضية تشانغ، بينما التزمت وسائل الإعلام الحزبية الأخرى الصمت ولم يدل أي مسؤول رفيع المستوى تعليق على الخطوة هذه الأخطر.
يعود سبب وجود صورة واسم تشانغ في قائمة كبار المسؤولين إلى أنه لم يصدر سوى إعلان رسمي عن فتح تحقيق ، ويبقى تشانغ ورقيا عضوا في المكتب السياسي و نائبا لرئيس اللجنة العسكرية المركزية إلى أن يتم عزله رسميا من منصبه في اجتماع الجلسة العامة الخامسة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني القادم.
ومن الأسباب الأخرى لصمت وسائل الإعلام الحزبية وامتناع كبار المسؤولين عن التعليق ، كون الأمر يتعلق جيش التحرير الشعبي الصيني الذي يتمتع باستقلالية تامة عن جهاز الحزب الشيوعي الصيني فلا سلطة لأي جهة حزبية و لا حتى للجنة المركزية عليه لذا، فإن العرف السائد في الشؤون العسكرية هو الصمت و بدون موافقة شي جين بينغ لا يجرؤ أحد على إبداء رأيه. ربما هذه السردية لها مكانة فيما يجري وقد يكون الواقع مختلف بعض الشيء ، لان بعض المعارضين الصينيين لديهم شبكة من المخبرين المحترفين على الجغرافيا ، على الرغم من كل جهود أجهزة الاستخبارات الصينية لقمع التسريبات ،لذلك بدأت الشائعات نفسها حول اعتقال تشانغ يوشيا بالانتشار بكثافة قبل أربعة أيام من الإعلان الرسمي وظهرت التقارير الأولى عن مشاكل تشانغ مع جين بينغ في وقت مبكر من عام 2024 و ينطبق الأمر نفسه على اعتقال هي وي دونغ فقد أُعلن عنه رسميا في وقت سابق أي في تشرين من 2025 ، لكن أوساط المعارضة كانت تناقشه منذ شهر آذار، لذلك يمكن أن يُشكل تحليل منشورات المنظمات السرية الأجنبية مصدرا قيّما للمعلومات حول الأحداث التي تخضع للرقابة أو السرية في القارة.
نظام حماية القيادة الصينية
أثار سقوط تشانغ يوشيا من جديد نشاطا متزايدا بين من يسعون إلى كشف "مؤامرة الجنرالات": وخطط القبض على شي جين بينغ، ومواجهة بين حراسه الشخصيين والجيش ، وغير ذلك لذلك يجب تقديم وصف موجز عن نظام حماية الأمن الصيني الخاص للقيادة العليا.
تاريخيا الصين خطت خطواتها الأولى في هذا المجال بمساعدة فعالة من المدرسة الامنية السوفيتية حتى بقيت بعض أحد أسماء جهاز الأمن الخاص بالقيادة العليا هو "القسم التاسع لوزارة الأمن العام) وهو فرع أمني سوفييتي من أشد الأجهزة حساسية مسؤولية عن حماية القيادات السوفيتية إلى أن شهد النظام الصيني لاحقا تغييرات جذرية تجعل أي مقارنة اليوم مع الاتحاد السوفيتي أو روسيا الحديثة غير دقيق.
العاصمة بكين تعد واحدة من أكثر المدن أمانا في العالم، وربما أكثرها على الإطلاق، فهي محمية بأنظمة أمنية متعددة، تتمحور في نهاية المطاف حول شي جين بينغ بصفته الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة العسكرية المركزية وتشكّل شبكة الأمن الداخلي لكبار قادة الصين (أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني) جهاز الأمن المركزي، وهو جهاز استخبارات مستقل يضم فوجا أمني مسؤول عن حماية المجمع الحكومي في تشونغ نان هاي والعديد من المنشآت الأخرى، بالإضافة إلى وحدات عملياتية مسؤولة عن أمن القادة الصينيين ومن هذه الوحدات جهاز الأمن الشخصي للرئيس شي جين بينغ.
يُعد جهاز الأمن المركزي من أكثر أجهزة الاستخبارات الصينية "نخبوية"، إذ يتمتع بصلاحيات شبه مطلقة ووضع ثلاثى فهو في الوقت نفسه جزء من جهاز الحزب (كقسم من المكتب العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني) و الجيش (كهيئة الأركان المشتركة)، ونظام إنفاذ القانون - القسم التاسع المذكور سابقا في جهاز الأمن المركزي ومع ذلك لا يخضع جهاز الأمن المركزي لسيطرة أي من هذه الافرع الثلاثة فهو يرفع تقريره حصريا إلى زعيم جمهورية الصين الشعبية ، من ثلاث مصادر وهو ضروري للوصول إلى تدفقات المعلومات والتمتع بكامل صلاحيات الحزب والجيش والأجهزة وفقا لما ينص عليه القانون. مع ذلك ، فإن أفراد المكتب هم عسكريون، يحملون رتبا عسكرية لا أمن داخلي، أما الاسم التاريخي للمكتب (الذي لم يعد يُستخدم)، "الوحدة العسكرية 8341"، فبحسب الروايات المتداولة في الصين ، مشتق من الأرقام الأربعة الأخيرة من الرقم التسلسلي لبندقية ماو تسي تونغ الشخصية.
اما المحيط الأمني الخارجي هو مسؤولية فرقتين من جيش التحرير الشعبي في بكين، وهي منفصلة عن التسلسل القيادي النظامي (لا تتبع قيادة منطقة العمليات) و ترفع تقاريرها مباشرة إلى رئيس اللجنة العسكرية المركزية ومكتبه. تضم الحامية فرقتين أمنيتين (الأولى والثالثة) وعددا من الوحدات الأصغر هذه الفرق قادرة على إغلاق مداخل العاصمة بسرعة والاستيلاء على المنشآت الرئيسية داخلها عند أي مؤشر على الخطر ، بالتوازي مع ذلك يوجد في بكين وحدتان من قوات الشرطة المسلحة الشعبية (وحدة أكبر قليلا من الفرقة ، لكنها أصغر من الفيلق) مسؤولية أول فرقة و هي معروفة ب"زونغ دوي" العاصمة بكين ، الثانية مجوقلة مع إمكانية نشرها بسرعة في المناطق الساخنة في جميع أنحاء البلاد ، أما الشرطة الشعبية المسلحة (الشرطة المسلحة الشعبية) في الصين تتميز وحداتها في بكين بنخبة أفرادها المنتقاة بعناية والمدربة تدريبا عاليا و تتجول في وسط بكين ، يمكنك أحيانا مشاهدة المركبات المدرعة التابعة لدوريات و وحدات القوات الخاصة في فرق "زونغ دوي" وهي في حالة تأهب دائم عند التقاطعات الرئيسية وبالقرب من المباني الهامة ويمتلك مكتب الأمن العام في بكين، التابع لوزارة الأمن العام ، نظاما ضخما للمراقبة بالفيديو ومراقبة المدينة ، بالإضافة إلى فرق "زونغ دوي" خاصة بها قادرة على الاستجابة لحالات الطوارئ . في ظل نظام الحزب أو الفرد الواحد و مع اقتراب الولاية الرابعة ل شي جين بينغ حيث كان بإمكان الجنرال تشانغ استغلال علاقاته العسكرية بسهولة لتدبير انشقاق بارز أو انقلاب أو حتى محاولة اغتيال قرر تشي جين بينغ تحييد هذا الخطر وإجراء عمل استباقي بتطهير مجموعة الجنرال تشانغ قيل أن يتمكن من الرد ، وبالتالي ردع القيادة العسكرية بأكملها ومنع المنافسين المحتملين من التفكير في مثل هذا الاحتماليُ مهّد شي جين بينغ الطريق لتغيير في القيادة العسكرية و لتعديل وزاري واسع النطاق.
من 1 الى9 شباط ٱعلن رسميا أن ما لا يقل عن 25 مسؤول رفيع المستوى في الحزب الشيوعي الصيني وقادة قطاعات رئيسية يخضعون للتحقيق أو يواجهون اتهامات جنائية وفساد،اذ يستعد شي جين بينغ لولاية رابعة في 2027، ويعمل بنشاط على تقليص عدد المسؤولين الكبار القدامى سواء من الحرس القديم أو من غير المستعدين لبناء إمبراطورية شيوعية الأيديولوجية و عظيمة.