سوريا أولاً … من هنا يبدأ الطريق
مقالات
سوريا أولاً … من هنا يبدأ الطريق
وائل المولى
16 شباط 2026 , 06:40 ص

ليست المأساة السورية نتاج حربٍ فحسب، ولا مجرد صراع سلطات أو تنازع محاور إقليمية. إنها، في جوهرها، أزمة هوية وطنية جامعة. فحين تتراجع الفكرة التي تجمع السوريين، تتقدم الهويات الجزئية، وحين يضعف الإطار الوطني، تتحول البلاد إلى مساحات متقابلة بدل أن تكون وطناً واحداً.

عبر تاريخها الطويل، شكّلت سوريا نموذجاً حضارياً فريداً. لم تكن أرضاً لأحادية ثقافية أو دينية، بل فضاءً لتلاقي حضارات وأديان ولغات متعددة، صاغت شخصية سورية قادرة على استيعاب التنوع دون أن تفقد تماسكها. غير أن السنوات الأخيرة كشفت هشاشة هذا الإطار، وأظهرت الحاجة الملحة إلى إعادة تأسيس الهوية الوطنية على أسس مدنية واضحة.

الهوية التي نطمح إليها ليست شعاراً عاطفياً، بل مشروعاً ثقافياً طويل الأمد، يقوم على المواطنة المتساوية، واحترام التعدد، وضمان حرية الفكر والاعتقاد، وصون الكرامة الإنسانية. هوية تعلو فوق الانقسامات دون أن تلغي الخصوصيات، بل تمنحها مكانها الطبيعي ضمن إطار وطني أوسع.

الدول لا تستقر بالقوة وحدها، ولا تُبنى بتحالفات عابرة. الاستقرار يبدأ حين يشعر المواطن أن انتماءه للوطن هو القاسم المشترك الأعلى، وأن الدولة تمثله بصفته مواطناً لا تابعاً لهوية فرعية. عندها يصبح التنوع مصدر غنى لا سبب صراع.

المطلوب اليوم ليس إحياء شعارات الماضي، ولا إعادة إنتاج صيغ أيديولوجية أثبتت محدوديتها، بل إطلاق حالة وطنية مدنية حديثة، أساسها الأرض والتاريخ المشترك والمصير الواحد. حالة تجعل من “السوري” توصيفاً سيادياً جامعاً، لا تفصيلاً هامشياً أمام الانتماءات الأخرى.

الهوية الوطنية لا تُفرض بقرار سياسي، بل تُبنى عبر الثقافة والتعليم والإعلام والفن واللغة اليومية. تُبنى عبر سردية مشتركة تؤكد أن سوريا بيت للجميع، وأن اختلاف المعتقد أو اللغة أو العادات لا ينتقص من حق الانتماء الكامل للوطن.

لقد أثبتت تجارب العالم أن المجتمعات التي تفشل في إنتاج هوية جامعة تتحول إلى كيانات رخوة يسهل تفكيكها عند كل أزمة. أما المجتمعات التي تنجح في صياغة عقد معنوي بين مكوناتها، فإنها تمتلك القدرة على تجاوز الصدمات مهما كانت قاسية.

سوريا اليوم أمام مفترق تاريخي: إما الاستمرار في منطق الانقسام، وإما الشروع في إعادة بناء المعنى الوطني. وإعادة البناء تبدأ من الفكرة؛ من إعادة تعريف من نحن، ولماذا نجتمع، وما الذي يجعلنا نتمسك بوطن واحد رغم كل الجراح.

سوريا أولاً… ليست شعاراً سياسياً، بل مبدأ أخلاقي وثقافي. مبدأ يؤكد أن المواطنة فوق العصبية، وأن المستقبل لا يُبنى إلا على قاعدة هوية وطنية عادلة، حرة، جامعة، ومفتوحة على العالم.

من هنا يبدأ الطريق نحن بحاجة لإعادة تعريف سوريتنا وانتاج هوية سورية من خلال مشروع وطني ثقافي جامع. 

فالوطن يجمعنا والتنوع يجب أن يوحدنا ….

المصدر: موقع اضاءات الإخباري