القضاء البريطاني يلغي حظر منظمة فلسطين أكشن ويوجّه صفعة سياسية لستارمر
مقالات
القضاء البريطاني يلغي حظر منظمة فلسطين أكشن ويوجّه صفعة سياسية لستارمر
مهدي مبارك عبد الله
21 شباط 2026 , 12:06 م

د. مهدي مبارك عبد الله

تأسست حركة فلسطين أكشن عام 2020 على يد الناشطة هدى عمّوري والناشط ريتشارد بارنارد لتكون من أبرز المجموعات الداعمة للقضية الفلسطينية في بريطانيا وقد ركزت منذ تأسيسها على تنظيم حملات ضغط مباشرة على الشركات المرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية مثل شركة "إلبيت سيستمز" بهدف فضح التواطؤ في الانتهاكات بحق الفلسطينيين واعتماد أسلوب الاحتجاج المباشر والعمل الميداني السلمي مما منحها حضورًا بارزًا في المشهد العام خاصة بعد حرب أكتوبر 2023 على قطاع غزة التي كثّفت خلالها تحركاتها التضامنية ووسّعت نطاق نشاطها المدني السلمي

في تموز يوليو الماضي أعلنت الحكومة البريطانية حظر حركة فلسطين أكشن وتصنيفها على لائحة المنظمات الإرهابية بموجب قوانين مكافحة الإرهاب واعتبرت أن الانتماء إليها أو إظهار الدعم لها جريمة تصل عقوبتها إلى السجن حتى 14 عامًا وقد استند قرار الحظر إلى تبريرات تتعلق بإلحاق أضرار بالممتلكات دون إثبات استخدام العنف أو التهديد به وهو ما أثار اعتراضات حقوقية محلية ودولية واعتبره ناشطون محاولة لتجريم التضامن السياسي وفرض قيودًا صارمة على حرية التعبير وحق التظاهر

قبل ايام قليلة قضت المحكمة العليا البريطانية بعدم مشروعية قرار الحكومة بحظر منظمة فلسطين أكشن مؤكدة أن الحركة لا تروّج للعنف ضد الأفراد وأن تصنيفها على قدم المساواة قانونيًا مع منظمات إرهابية مثل القاعدة وداعش كان غير قانوني وأن الحكومة لم تثبت الأساس القانوني لتبرير الحظر وهو ما يمثل انتصارًا للحريات الأساسية بشكل عام ويعيد فتح النقاش حول حدود استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والتوازن بين الأمن القومي وضمان ممارسة الحريات المدنية

حكم المحكمة العليا الذي أصدرته هيئة من ثلاثة قضاة برئاسة القاضية فيكتوريا شارب ليس نهائيًا بالكامل إذ لا تزال الحكومة البريطانية تمتلك الحق في الطعن أمام محكمة الاستئناف مما يتيح استمرار المناقشات القانونية والسياسية ويضع الحكومة أمام تحدٍ في ممارساتها تجاه الحراك المدني المؤيد للفلسطينيين ويعيد تسليط الضوء على أسلوب تسييس قوانين مكافحة الإرهاب في سياق القضايا السياسية الحساسة

كما ان القرار القضائي يحمل آثارًا واضحة على السياسة البريطانية وإسرائيل إذ يوجه رسالة قوية حول ضرورة فصل العمل الحقوقي السلمي عن أي تصنيفات إرهابية ووضع حداً لممارسات القمع التي استهدفت مؤيدي فلسطين أكشن حيث تم توقيف أكثر من 2700 شخص منذ بدء الحظر بسبب مشاركتهم في مظاهرات سلمية ورفعهم لافتات داعمة للمنظمة مما أدى إلى انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية التي اعتبرت ذلك تهديدًا مباشرًا لحرية التعبير والعمل المدني

كير ستارمر وجد نفسه في مأزق سياسي غير مسبوق بعد قرار المحكمة العليا بإسقاط حظر فلسطين أكشن، حيث انتهت كل محاولاته للضغط على الحركة إلى فشل ذريع وأصبحت مصدر إحراج أمام الرأي العام والهيئات الحقوقية الدولية فقد راهن على ربط نشاط المنظمة بالتهديد الأمني ليبرر قراراته القمعية لكنها سقطت أمام القضاء والآن يعيش ستارمر لحظة خيبة أمل حقيقية وهو مجبر على مواجهة حقيقة أن القانون يقف ضد سياساته ومع ذلك فإن التساؤل يبقى حول ما إذا كان سيكتفي بالامتثال للحكم أم سيبحث عن طرق الالتفاف على القانون عبر الطعن أمام محكمة الاستئناف أو إجراءات بديلة تهدف لإعادة فرض قيود على فلسطين أكشن ليصبح موقفه اختبارًا حادًا لقدرة الحكومة على الفصل بين القانون والسياسة ويكشف عن هشاشة استراتيجياته في مواجهة حراك شعبي سلمى مدعومًا بحقوقه القانونية والإنسانية

من جانبها قالت الناشطة هدى عمّوري الشريكة المؤسسة للمنظمة إن الحكم يشكل انتصارًا تاريخيًا للحريات الأساسية في بريطانيا ولنضال الشعب الفلسطيني وأنه يوجّه رسالة واضحة ضد استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لتقييد النشاط السياسي السلمي مؤكدة أن القضاء أعاد الحق للأفراد في التعبير عن تضامنهم مع قضية عادلة وأن هذا الانتصار القانوني يشكّل سابقة مهمة في حماية حقوق النشطاء المدنيين في المملكة المتحدة

في المقابل أعربت الحكومة البريطانية عن رفضها للحكم وأعلنت وزيرة الداخلية شابانا محمود عن عزمها الطعن أمام محكمة الاستئناف وأن الحكومة ترى أن تصنيف المنظمة كان مناسبًا ومنسجمًا مع قوانين مكافحة الإرهاب وأن القرار القضائي يشكّل خيبة أمل لكنها ستواصل الدفاع عن الإجراءات التي اتخذتها لحماية الأمن القومي البريطاني

ختاما : إن انتصار فلسطين أكشن في المحكمة العليا البريطانية يعكس التحدي المستمر بين سياسات الدولة في مواجهة الاحتجاج المدني وحق المواطنين في ممارسة حرياتهم الأساسية كما يسلّط الضوء على أهمية الدور القضائي في مراجعة قرارات الحكومة التي قد تفرط في استخدام صلاحياتها القانونية ويؤكد على أن حماية الحريات المدنية لا تقل أهمية عن حماية الأمن الوطني وأن العدالة يمكن أن تُسترد رغم المحاولات السياسية لتقييدها

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]