كشف علماء أن الطبقة الجليدية الضخمة في Greenland قد تشهد حركة داخلية تشبه ما يحدث في الصخور المنصهرة تحت قشرة الأرض، في اكتشاف وصفه الباحثون بأنه “ظاهرة طبيعية مدهشة” قد يغير فهمنا لسلوك الجليد وتأثيره على المناخ العالمي.
وجاءت النتائج في دراسة حديثة أجراها فريق من University of Bergen، حيث اعتمد الباحثون على نماذج حاسوبية متقدمة لفهم التكوينات الغامضة التي ظهرت في صور الرادار داخل الجليد.
هياكل غامضة داخل الجليد منذ آلاف السنين
باستخدام تقنيات الرادار المخترق للجليد، اكتشف العلماء سابقا تراكيب غريبة على شكل أعمدة داخل الصفائح الجليدية شمال جرينلاند. وتُظهر هذه الهياكل انحناءات في الطبقات المتراكمة عبر آلاف السنين، وهو ما أثار تساؤلات علمية منذ اكتشافها لأول مرة عام 2014.
وتغطي الصفائح الجليدية نحو 80% من الجزيرة، وتُعد من أكبر مخازن المياه المتجمدة على الأرض، كما يُتوقع أن تلعب دورا رئيسيا في ارتفاع مستوى البحار مستقبلا.
كيف كشف الرادار هذه الظاهرة؟
تعتمد هذه التقنية على إرسال موجات راديوية تخترق الجليد ثم تنعكس عند مواجهة طبقات داخلية مختلفة. وتعود هذه الطبقات إلى ثلوج سقطت في الماضي ثم تحولت إلى جليد بفعل الضغط.
وتتميز كل طبقة بخصائص كيميائية مختلفة، مثل اختلاف مستويات الغبار أو الرماد أو الحموضة، مما يسمح للعلماء بتحديد بنية الجليد وتاريخه.
تفسير جديد: الحمل الحراري داخل الجليد
كان العلماء قد طرحوا عدة فرضيات لتفسير هذه التكوينات، مثل تجمد مياه ذائبة تحت الصفائح أو وجود مناطق زلقة متحركة. لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن السبب قد يكون ظاهرة الحمل الحراري.
ويُعرف الحمل الحراري بأنه حركة نقل الحرارة من الأسفل إلى الأعلى، وهو مرتبط عادة بالصخور المنصهرة في باطن الأرض. لكن النماذج الحاسوبية أظهرت أن هذه العملية يمكن أن تحدث أيضا داخل الجليد تحت ظروف معينة.
وأوضح الباحث روبرت لو أن الجليد أكثر ليونة من الصخور في باطن الأرض بملايين المرات، مما يسمح بحدوث هذه الحركة رغم أن ذلك يخالف التصورات التقليدية.
نماذج حاسوبية تحاكي الواقع

اعتمد الباحثون على برامج تستخدم عادة لدراسة حركة الصخور في وشاح الأرض، حيث قاموا بمحاكاة طبقة جليدية بسماكة 2.5 كيلومتر.
وتم تعديل عدة عوامل، منها:
معدل تساقط الثلوج
سماكة الجليد
درجة ليونة الجليد
سرعة حركة السطح
وتحت ظروف محددة، ظهرت في النموذج أعمدة صاعدة من الجليد تشبه إلى حد كبير الهياكل التي رصدها الرادار.
حرارة باطن الأرض قد تكون السبب
أظهرت النتائج أن هذه الأعمدة تتشكل عندما يكون الجليد قرب القاعدة أكثر دفئا وليونة مما كان يُعتقد سابقا.
ويرجح الباحثون أن مصدر الحرارة هو التدفق الحراري الطبيعي من باطن الأرض، الناتج عن التحلل الإشعاعي للعناصر داخل القشرة الأرضية وبقايا الحرارة منذ تشكل الكوكب.
ورغم أن هذه الحرارة ضعيفة، فإن تراكمها على مدى آلاف السنين تحت طبقة جليدية ضخمة قد يكون كافيًا لتسخين الجليد.
ماذا يعني هذا لمستقبل الجليد ومستوى البحار؟
يشبه العلماء هذه العملية بحركة “غليان بطيء”، لكنها تحدث على مدى آلاف السنين وليس بسرعة. ولا يعني ذلك أن الجليد سيتحول إلى سائل أو سيذوب بسرعة أكبر بالضرورة.
ومع ذلك، فإن فهم هذه العمليات الداخلية قد يساعد في تحسين توقعات العلماء حول كيفية تغير الصفائح الجليدية وتأثيرها على ارتفاع مستوى البحار عالميا.
أهمية الاكتشاف في أبحاث المناخ
يؤكد الباحثون أن فهم العمليات الخفية داخل الجليد أمر أساسي للتنبؤ بالتغيرات المستقبلية في السواحل حول العالم.
ويشير هذا الاكتشاف إلى أن الطبيعة في جرينلاند ما تزال تخفي الكثير من الأسرار، وأن تطوير النماذج المناخية يتطلب دراسة أعمق للعمليات الفيزيائية داخل الصفائح الجليدية.