نجح الغزو الأمريكي للعراق في تدميره على كافة الصعد بعد تفرد الهيمنة الامريكية على العالم في مرحلة تسعينيات القرن الماضي ، بما سمي "السلام الأمريكي"، لكن اليوم وفي ظل الظروف الراهنة ثمة احتمال كبير أن يسعى و يبذل خصوم واشنطن جهدهم لمحاولة إغراقها في مستنقع كما كان حالها في فيتنام قد تطلب منهم المساعدة لاحقا للخروج بماء الوجه والسؤال ما مدى إدراك دونالد ترامب لهذه المخاطر وقوة الخصوم بالمباشر في وجهه ، إيران لن تكون وحيدة في حرب تهدد النظام ومن ورائه ، لكن كون ترامب يعيش حالة النشوة بعد نجاحه في تدمير معظم منشآت إيران النووية وعنجهيته
التي قد يكون قراره بالحرب قاتل كما كان حال هتلر””.
استمرار التصعيد في المواجهة الأمريكية الإيرانية يشكل ضربة قاسية لكيانات الشرق الأوسط ، وسيزيد من عدم الاستقرار في المنطقة لذلك نشهد الاهتمام والخوف من المعضلة الإيرانية و واضح انها على رأس أولويات اجندة الجيوسياسية العالمية الراهنة ، بدء من اوروبا و الاقرب جغرافيا مثل الصين التي أرسلت قطع حربية منها حاملة طائرات وسفن تجسس ومراقبة هو تعبير عن قلق بالغ يدل على ارتفاع نسبة احتمالية نشوب صراع عسكري تتزايد يوم بعد يوم، بل دقيقة بعد دقيقة ونرى أن العالم الغربي والخليج يقف على رجل ونص.
ما نشهده في اللحظات الأخيرة في المعركة الدبلوماسية هو مرحلة عض أصابع ليس اليدين فقط بل والأرجل ، الامور ذاهبة للحسم في كلا الاتجاهين سلما ام حربا وما يؤكد ذلك هو أمر المرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي وضع خطة طوارئ في حال تم اغتياله وقد صدرت تعليمات للقادة بتحديد ما يصل إلى أربعة نواب محتملين في حال انقطاع التواصل مع المرشد الأعلى أو وفاته. والامر الاهم والاخطر في حال وقوع المواجهة هو حال المدن والمناطق الإيرانية، أي موقف الداخل الإيراني المنهك اقتصاديا ونفسيا بعد الاحتجاجات الاخيرة ، التي اتخذت منحى عنيف متزايد في مواجهتها مع السلطات في حال شنت الولايات المتحدة ضربة عسكرية أو حرب واسعة والى أي طرف سوف تنحاز هذه المدن الإيرانية؟ علما أن سابقة حدثت ولو بظروف مختلفة حين هاجم صدام حسين إيران وفي مخيلته إحداث انقسام داخل المجتمع الإيراني ، إلا أن النتيجة كانت عكسية ، فقد تضامن الإيرانيون، وهو ما جعل إيران معقل الشيعية السياسية العالمية وكذلك في العدوان الأخير الإسرائيلي الأمريكي ظهر التضامن و الوحدةر، لكن هنا دونالد ترامب البارع في خلق خصوم بتصرفاته المبالغ فيها وخطابه العدائي و أسلوبه المباشر والصريح والاهم المخادع رغم أن الولايات المتحدة تمتلك قوة ناعمة يشهد لها عوض الأسلوب الترامبي ، بالمقابل تعلم واشنطن انها تواجه خصما ليس سهلا في البنية العميقة للنظام الإيراني مع القوات المسلحة هو قوة الحرس الثوري بأمرة المرشد وحده بالمباشر بامكانيات ضخمة ، الذي بدون أدنى تردد سوف يقاتل بشراسة حتى النهاية و يجيد بمهارة حرب العصابات وقد بدأ بالفعل في الاستعداد لها بشكل مكثف ، لذا حتى لو تم القضاء على القيادة الإيرانية العسكرية للجيش والحرس من خلال ضربات موجهة دقيقة وفق عمليات استخباراتية فإن التراتبية في قادة الحرس الثوري مستعدة لتولي زمام الأمور في وحداتهم في استقلالية تامة وفي حال فراغ في السلطة ، بمعنى آخر، قد يتحول الحرس الثوري الإيراني إلى ما يشبه حماس في غزة ، كونه متجذر في بنية إيران وله قاعد شعبية وبين المحافظين يعني تورط الولايات المتحدة في حرب عصابات إقليمية مع الحرس الثوري والتي قد تحول المنطقة وليس فقط إيران في حال تم دخول بري و هو شبه مستحيل إلى فيتنام أو أفغانستان ثانية بالنسبة للجيش الأمريكي.
لإسرائيل دور محوري في الأزمة ، إذ تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديد وجودي ولا تخفي تل أبيب رغبتها في عملية عسكرية واسعة النطاق بل تضغط بكل ما تملك من تأثير من أجل ذلك بهدف إضعاف البنية التحتية العسكرية الإيرانية على المدى البعيد و هنا ورقة فضائح” ابستين” كانت مؤشر ربما تضع ترامب في الزاوية ،لأن ما لم يظهر بعد اعظم وعلى المحك استمراره بعد الانتخابات النصفية من عدمه وهنا دور اللوبي الاسرائيلي صاحب البطاقة الحمراء ربما…. بالمقابل تظهر دول الخليج العربي موقف حذرإذ ترى أن اندلاع حرب إقليمية جديدة ينطوي على مخاطر زعزعة الاستقرار وخسائر اقتصادية وبسبب خصوصية وأهمية الشرق الأوسط في أن أي تصعيد قد لا يكون مجرد عملية عسكرية ، بل بسهولة قد يتحول الى حرب متعددة المستويات وردود أفعال وارتدادات على الأنظمة في المنطقة تؤدي إلى انقسامات داخلية في بنية النسيج الاجتماعي وكذلك اختلال التوازن بين القوى العظمى ذات المصالح الحيوية قد تتجه إلى حرب شاملة ليس بمقدور أحد أن يحسم نتائجها.
إن استمرار تعزيز الولايات المتحدة وجودها في الخليج العربي و التصريحات المستفزة حول تجهيز خطط وسيناريوهات لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي يضفي مزيد من التوتر على الوضع ، لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الهجوم ممكن ، بل ما الذي سوف يحدث بعد تنفيذ هذا التهديد.؟ و خاصة أن العالم لم يعد يعيش في عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة وهو ما تثبته تصرفات الإدارة الأمريكية مع مراقبة خصومها التطورات الحالية بشكل جدي ومن غير المرجح أن يقفوا متفرجين ولهم مصالحهم التجارية والإقتصادية و امدادات الطاقة ، ولأن أي تصعيد حول إيران سيكون بمثابة ضربة قاصمة ليس فقط للاستقرار الإقليمي، بل لبنية الشرق الأوسط بأكملها ، فالمواجهة بين الطرفين ستكون تداعياتها من الصين الى الخليج و تحول جذري وتغيير بنيوي في الجغرافيا والسياسة لا عودة عنه ، في علم السياسة والعسكري هناك حسابات دقيقة وإدراك عواقب أي عدوان غير محسوب وعواقبه المحتملة ، وأيا كان ومهما كان طرف النزاع ضعيفا أو قويا يمكنه بدء الحرب لكنه لن يكن بمقدوره السيطرة على مجرياتها أو إيقافها حسب رغبته والخروج منها بنصر مكتمل فهل يركب منطق العقل ترامب ومن يقف وراء اتخاذ قرار إشعال المنطقة والدخول في مغامرة غير محسومة النتائج إن وقعت ؟.
.