تواجه العديد من النساء اللواتي يحملن أثناء استخدام مضادات الاكتئاب قراراً صعباً يتعلق بمواصلة العلاج أو التوقف عنه خوفاً من التأثير على الجنين. وتشير دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة أوسلو ومستشفى مستشفى آكيرشوس الجامعي إلى أن استخدام الجرعات القياسية من مضادات الاكتئاب خلال الحمل يبدو آمناً للطفل، في حين قد ترتبط الجرعات المرتفعة والمستمرة بتغيرات في المشيمة وزيادة احتمالية الحاجة إلى الرعاية المركزة بعد الولادة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة BJOG: An International Journal of Obstetrics & Gynaecology المتخصصة في طب النساء والتوليد.
أهمية علاج الاضطرابات النفسية خلال الحمل
يؤكد الباحثون أن عدم علاج الاضطرابات النفسية الشديدة قد يشكل خطراً على الأم والجنين معاً. فغياب العلاج المناسب يمكن أن يزيد من احتمالات الانتكاس، والأفكار الانتحارية، وضعف الالتزام بمتابعة الحمل، وارتفاع خطر المضاعفات.
وتوضح الدراسة أن كثيراً من النساء يشعرن بأن الاستمرار في تناول مضادات الاكتئاب أثناء الحمل يمثل تحدياً أخلاقياً وطبيبياً بسبب المخاوف المتعلقة بسلامة الجنين.
الجرعات القياسية تبدو آمنة على المولود
أظهرت نتائج الدراسة أن استخدام الجرعات القياسية من مضادات الاكتئاب خلال الحمل لا يرتبط بمخاطر واضحة على صحة الطفل بعد الولادة، وفق المؤشرات التي تم تقييمها.
وشملت هذه المؤشرات:
وزن الطفل عند الولادة
وزن المشيمة
طول الحبل السري
خطر الولادة المبكرة
درجة تقييم الحالة الصحية للمولود
الحاجة إلى دخول وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة
وأشارت النتائج إلى عدم وجود تأثيرات ضارة ملحوظة عند استخدام الجرعات القياسية.
الجرعات المرتفعة والمستمرة قد تزيد المخاطر
أوضحت الدراسة أن حجم الجرعة يعد عاملاً أساسياً في تحديد مستوى الأمان. إذ تبين أن الجرعات المرتفعة والمستمرة ترتبط بما يلي:
تغيّرات في المشيمة
زيادة وزن المشيمة مقارنة بوزن الطفل
ارتفاع احتمال الحاجة إلى العناية المركزة للمولود
وتشير هذه النتائج إلى ضرورة متابعة النساء اللواتي يحتجن إلى جرعات مرتفعة بشكل دقيق طوال فترة الحمل.
التركيز على مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية
ركزت الدراسة على مجموعة شائعة من مضادات الاكتئاب تُعرف باسم مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وهي من أكثر الأدوية استخداماً لعلاج الاكتئاب والقلق في الدول الإسكندنافية، بما في ذلك بين النساء الحوامل.
وتعمل هذه الأدوية على زيادة توافر الناقل العصبي السيروتونين في الدماغ، وهو عنصر مهم في تنظيم المزاج والذاكرة والنوم والوظائف الإدراكية.
منهجية الدراسة وتحليل البيانات
اعتمد الباحثون على بيانات سجلات طبية من مستشفى جامعة كووبيو في فنلندا، حيث تمت مقارنة 553 امرأة استخدمن مضادات الاكتئاب أثناء الحمل مع 2765 امرأة لم يستخدمن هذه الأدوية.
كما تم تقسيم النساء اللواتي تناولن الأدوية إلى أربع فئات:
جرعة قياسية طوال الحمل
جرعة منخفضة تم زيادتها تدريجياً
جرعة مرتفعة طوال الحمل
تقليل الجرعة تدريجياً خلال الحمل
وقد سمح هذا التصنيف بدراسة تأثير الجرعة ومدتها ونمط استخدامها بشكل أكثر دقة مقارنة بالدراسات السابقة.
دور المشيمة في صحة الجنين
أظهرت النتائج أن النساء اللواتي تناولن جرعات مرتفعة كان لديهن مشيمة أكبر حجماً ونسبة أعلى بين وزن المشيمة ووزن الطفل. ويُعد هذا مؤشراً على احتمال ضعف كفاءة المشيمة في نقل العناصر الغذائية، ما قد يؤثر في نمو الجنين.
كما كان خطر دخول هؤلاء الأطفال إلى وحدة العناية المركزة أعلى بنحو الضعف مقارنة بأطفال النساء اللواتي لم يستخدمن مضادات الاكتئاب.
ضرورة التوازن بين العلاج والصحة النفسية
تشير الإحصاءات في النرويج إلى أن أقل من 2% من النساء الحوامل يستخدمن هذه الأدوية، وهو معدل أقل مقارنة بالنساء غير الحوامل. ويرجح الباحثون أن ذلك يعود إلى المخاوف المتعلقة بتأثير الأدوية على الجنين.
ويؤكد الخبراء أهمية التقييم الفردي لكل حالة، مع مراعاة مخاطر تقليل العلاج أو إيقافه مقابل الفوائد النفسية للأم. كما يُنصح بمراقبة الأطفال حديثي الولادة من الأمهات اللواتي استخدمن جرعات مرتفعة خلال الحمل.