…
بقلم ( عباس المعلم )
ليست الجغرافيا في الشرق الأوسط مجرد خرائط مرسومة على ورق، بل طبقات كثيفة من التاريخ والعقائد والمصالح الإمبراطورية المتشابكة. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تعود أطروحة قديمة بملامح أكثر صراحة: أطروحة “إسرائيل الكبرى”، التي لم تكن يومًا شعارًا عابرًا في هوامش الفكر الصهيوني، بل مكوّنًا حاضرًا في بعض أدبياته المؤسسة، يرى في قيام الدولة عام 1948 محطةً لا غاية، وبداية مسار لا خاتمته. من هنا، لا يمكن التعامل مع ما صدر عن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، باعتباره رأيًا شخصيًا أو قراءة لاهوتية منفصلة عن سياق سياسي أوسع. فقد أثارت تصريحات مايك هاكابي، السفير الأميركي لدى إسرائيل، التي أعلن فيها قبول فرض “سيطرة إسرائيل” على أراضٍ تمتد من نهر النيل إلى الفرات، موجة غضب عربي رسمي واسع، في وقت رأى فيه نشطاء سياسيون ومدونون أن استناده إلى تأويلات توراتية متداولة داخل التيار القومي المسيحي الأميركي لا يخرج عن كونه إعلانًا صريحًا بتطبيع واشنطن مع فكرة “إسرائيل الكبرى”، وما تحمله من دلالات توسعية مقلقة على مستقبل المنطقة واستقرارها.
إن خطورة هذا التصريح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته وسياقه؛ فهو يأتي متقاطعًا مع وقائع ميدانية تتجاوز فكرة “الدفاع عن النفس” إلى إعادة هندسة المجال الحيوي الإقليمي. فمنذ إعلان قيام إسرائيل، لم تتوقف فكرة التمدد عند حدود قرار التقسيم أو خطوط الهدنة، بل ظلّت حاضرة في تيارات فكرية وسياسية، من الصهيونية التصحيحية إلى التيار الديني القومي، الذي يرى في “يهودا والسامرة” اي ( الضفة )امتدادًا عقائديًا لا يقبل المساومة. ومع صعود حكومات يمينية متعاقبة، وخصوصًا في عهد بنيامين نتنياهو (، عادت لغة “إسرائيل الكبرى” لتظهر بصيغ أكثر وضوحًا، بل إن بعض التصريحات ذهبت أبعد من ذلك، كما فعل بتسلئيل سموتريتش حين أطلق مواقف اعتُبرت إيحاءً بأن دمشق نفسها جزء من المجال الإسرائيلي المتخيَّل.
ما يجري اليوم في غزة يتجاوز الردع العسكري إلى محاولة فرض واقع سيادي كامل، فيما تتكرس في الضفة الغربية وقائع ضمٍّ زاحف عبر الاستيطان وتفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني. وفي جنوب لبنان، برزت في مراحل متعددة سيطرة مباشرة وغير مباشرة على ما دون الليطاني، مع تصاعد دعوات استيطانية في بعض الأوساط اليمينية. أما في جنوب سوريا، فقد ترافق القصف والتوغل المتكرر مع تصريحات عسكرية عن القدرة على بلوغ الحدود السورية–العراقية خلال ساعات، بما يعكس تصورًا لعمق استراتيجي عابر للحدود التقليدية. وقبل ذلك بعام، كان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قد طرح فكرة استقبال مصر والسعودية والأردن للفلسطينيين، في ما بدا تمهيدًا مبكرًا لفكرة “الوطن البديل”، وهي فكرة تتقاطع موضوعيًا مع تفريغ الأرض الفلسطينية تمهيدًا لتوسيع المجال الإسرائيلي.
التحولات الأخيرة من توجيه ضربات قاسية لحركات المقاومة إلى تصاعد الحديث عن حرب مدمرة وشيكة على إيران فتحت الباب أمام استنتاجات في بعض مراكز الدراسات الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية بأن سقوط إيران أو تحييدها جذريًا سيشكّل نقطة انعطاف كبرى في ميزان القوى الإقليمي.
في هذا السيناريو، لا يكون الهدف التالي مجرد تحييد خصوم تقليديين، بل إعادة تشكيل الخريطة السياسية برمتها. إذ إن إضعاف إيران قد يفتح شهية مشاريع التفكيك والضغط على دول مركزية أخرى مثل العراق وسوريا، وربما يمتد منطق “إعادة الهندسة” إلى تركيا والسعودية ومصر، سواء عبر تفكيك داخلي أو عبر استنزاف طويل يفتح الباب أمام كيانات أصغر وأضعف. عندها لا تكون إسرائيل “الأقوى عسكريًا” فحسب، بل الأوسع نفوذًا والأكثر تماسكًا جغرافيًا، مستفيدة من تفكك محيطها.
إن الحديث عن تهديد تركيا والسعودية، في حال انهيار التوازن الذي تمثله إيران، لا يأتي من باب التهويل، بل من قراءة باردة لمنطق القوة في المنطقة. فتركيا تمثل ثقلًا جيوسياسيًا وعسكريًا في شمال الإقليم، والسعودية تمثل عمقًا استراتيجيًا واقتصاديًا في قلبه؛ وأي إعادة رسم خرائط كبرى لن تتوقف عند حدود الهلال الخصيب. وإذا كان المشروع المعلن يدور في خطاباته حول الأمن ومحاربة “الإرهاب”، فإن مآلاته قد تتجاوز ذلك إلى فتح آفاق تقسيم وإعادة تشكيل تجعل إسرائيل الدولة الأكبر مساحة وامتدادًا، لا بفعل ضمٍّ رسمي دائم بالضرورة، بل عبر شبكة نفوذ وسيطرة عسكرية وأمنية واقتصادية تمتد من المتوسط إلى تخوم آسيا.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في القدرة العسكرية، بل في تطبيع الفكرة التوسعية داخل بعض دوائر القرار الغربية، بحيث تتحول مقولة “من النيل إلى الفرات” من شعار أيديولوجي إلى احتمال يُناقش في العلن. وعندما يتقاطع هذا الخطاب مع وقائع عسكرية على الأرض، ومع اختلالات كبرى في ميزان الردع الإقليمي، فإن المنطقة تقف أمام مفترق حاد. فإما أن تُترك لتدخل مرحلة تفكيك متدرج، تتساقط فيها الدول واحدة تلو أخرى تحت عناوين شتى، وإما أن تعي أن سقوط دولة محورية كإيران إن حدث عبر حرب وعدوان وشيك ، لن يكون نهاية الصراع، بل بداية طور جديد أكثر اتساعًا وخطورة، قد تمتد ارتداداته إلى تركيا والسعودية ومصر والعراق.
إنها لحظة اختبار وجودي للمنطقة بأسرها. فالمشاريع التوسعية، حين تجد فراغًا استراتيجيًا، تتمدد بلا سقف، وحين يُكسر توازن الردع، يُعاد رسم الخرائط على وقع النيران لا على طاولات التفاوض. والتاريخ لا يسجل النوايا، بل النتائج. فإذا تُركت الوقائع تتراكم بلا رؤية جماعية مضادة، فقد نستيقظ على شرق أوسط جديد لا يشبه ما عرفناه، حيث لا تكون المسألة حدودًا هنا أو هناك، بل تحوّلًا جذريًا في هوية المنطقة ومركز ثقلها. وعندها، لن يكون السؤال من التالي فحسب، بل: هل بقي ما يمكن إنقاذه؟
عباس المعلم - كاتب سياسي