عبد الحميد كناكري خوجة: صعود الصمود: معادلة القرار والجواب.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: صعود الصمود: معادلة القرار والجواب.


”معادلة الوجود والردع الامتماثل: طهران بين سيادة الإرادة وتحولات الجيوبوليتك".

لم يعد المشهد بين طهران وواشنطن مجرد توتر سياسي عابر، بل تحول إلى اختبار تاريخي لإرادتين: إرادة التوسع والهيمنة، وإرادة الاستقلال والسيادة.

وفي قلب هذا الإشتباك المركب، يرتفع مايمكن تسميته ب”صعود الصمود الإيراني والدفاع عن وجود أرض الأبناء والآباء والجدود".

بوصفه خيارا إستراتيجيا لا رد فعل مؤقت، وبراديغما سياسيا يؤسس لمرحلة تتجاوز منطق الإنحناء أمام العواصف الغوغاء والرياح المعادية العاتية.

الجيوبوليتك يفسر الكثير من خلفيات هذا التوتر.

فإيران ليست دولة هامشية في خرائط الطاقة والممرات البحرية، بل نقطة إستراتيجية تتحكم بمفاصل حساسة من توازنات الإقليم.

من هنا تبدو الضغوط الناتجة عن المنظومة الدولية ذات البنية الأحادية القرار، مرتبطة بحسابات النفوذ والسيطرة على المجال الحيوي وأطماع هذه القوى الآحادية القرار بما تملكه إيران من مشتقات بترولية وغيرها من موارد وطنية.

إنها مسألة موقع ودور، لا مجرد ملف عابر.

غير أن القراءة الموضوعية للوقائع تكشف أن طهران لم تتعامل مع هذه التحديات بخطاب انفعالي، بل بمنهج تراكمي طويل النفس.

العقوبات لم تضعف بنيتها، بل دفعتها إلى الاستثمار في الاكتفاء الصناعي العسكري، وتطوير منظومات صاروخية ودفاعية متقدمة، وترسيخ مفهوم ” الردع الا متماثل" القائم على تعقيد أي مغامرة عدوانية عسكرية محتملة ورفع كلفتها إلى مستويات غير قابلة للإستخفاف على الإطلاق.

الحروب الحديثة، كما تؤكد الدراسات الاستراتيجية، لم تعد تحسم بمجرد استعراض الأساطيل أو ضخامة الحشود، بل بمرونة الشبكات الدفاعية، ودقة المعلومات، وقدرة الدولة على امتصاص الصدمة الأولى وإعادة تشكيل المشهد العملياتي المدروس دراسة عميقة.

وفي هذه المساحات طورت إيران خبرتها مستفيدة من عمقها الجغرافي ومن تراكم تجاربها في إدارة الأزمات.

أما البعد الأعمق، فهو انتقال القضية من حدود الجغرافيا إلى فضاء ” الوجود السيادي". فالمسألة_ في الوعي الإيراني_ ليست خطا مرسوما على الخريطة فحسب، بل دفاع عن قرار مستقل، وعن أرض الآباء والأبناء، وعن حق أمة في أن ترسم سياساتها دون وصاية.

وحين يتحول الدفاع إلى قضية هوية، تتضاعف قوة تماسك الجبهة الداخلية، ويغدو الضغط العدائي عامل تعبئة لا عامل تفكك.

وفي مقابل ذلك، لايمكن إغفال أن المطامع الامبريالية في الإقليم_ من طاقة إلى التحكم بالممرات_ تشكل جزءا من رؤية أوسع لإعادة هندسة التوازنات بما يخدم إستراتيجيات التفوق التقليدية.

غير أن تحولات النظام الدولي، وصعود قوى إقليمية وازنة جعلا من فرض الإرادة الإستكبارية الآحادية مهمة أكثر تعقيدا مما كانت عليه في عقود مضت.

ومن هنا، فإن أي حديث عن مواجهة محتملة لا يمكن تبسيطه أو تصويره كعملية سهلة.

والكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية ستكون واسعة النطاق نسبة لقوى الشر والتعدي.

ومع تراكم القدرات الدفاعية الإيرانية الجبارة، وتماسك شعبها وتلاحمه، تبدو معادلة الردع اليوم أكثر رسوخا، وأي قرار بالتصعيد محاط بحسابات دقيقة.

إنها لحظة تاريخية يتقاطع فيها القرار بالجواب ” الفعل المعادي وردة فعل المدافع ".

والصمود بالصعود. وبين منطق الهيمنة والغطرسة ومنطق الدفاع عن السيادة،

تثبت طهران_ وفق معطيات القوة المتراكمة_ أنها اختارت طريق الدفاع عن حدودها ووجودها معا، لا باعتباره خيارا تكتيكيا عابرا، بل باعتباره قدرا سياديا تصان به الأوطان حين تحسن قراءة ميزان القوى وتحويل التحدي إلى تثبيت للحضور.

وهكذا، فإن المسألة لم تعد دفاعا عن أرض فحسب، بل دفاعا عن معنى الاستقلال ذاته؛ ومعنى أن يكون للدولة قرارها، وللأمة موقعها، وللتاريخ كلمته.

ففي منطق التاريخ، لايبقى إلا ما يستند إلى إرادة واعية ومعادلة محسوبة، وحين تتحول السيادة من شعار إلى ممارسة، ومن رد فعل إلى وعي إستراتيجي، يغدو الصمود فلسفة دولة لا ظرف مرحلة. وبهذا المعنى يلتقي الواقع بالمرجعية القرآنية: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} إعداد يرسخ الردع، ويصون السيادة، فحين تقترن القوة بالحكمة، يصبح الدفاع عن الأرض دفاعا عن النخوة والكرامة، ويغدو الثبات طريقا لحفظ التوازن لا لكسره، وتكتب فصول الحضور بثبات لا تضليل فيه ولا تهويل. كما أن السيادة ليست إعلانا دستوريا، بل قدرة فعلية على فرض الإرادة داخل المجال الحيوي وصونه خارجه.

مفكر كاتب سوري حر.