شرق أوسط جديد أم توازن رعب جديد؟
مقالات
شرق أوسط جديد أم توازن رعب جديد؟
وائل المولى
3 آذار 2026 , 07:28 ص

تدخل المنطقة مرحلة دقيقة من المواجهة المفتوحة التي تتجاوز الضربات العسكرية المباشرة، لتتحول إلى صراع استراتيجي بين مشروعين متناقضين: مشروع إسرائيلي–أميركي يسعى إلى إعادة تشكيل الإقليم وفق معادلات أمنية جديدة، ومشروع إيراني يهدف إلى تثبيت معادلة ردع مختلفة تقوم على تقليص الوجود الأميركي وكسر الهيمنة الإسرائيلية.

المعطيات الميدانية تشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني يعتمد سياسة استنزاف متدرّج وتوسيع نطاق الضغط. فالهجمات لا تقتصر على الداخل الإسرائيلي، بل تمتد إلى مواقع مرتبطة بالمجهود الأميركي في الخليج والعراق والأردن وشرق المتوسط، بما يعكس مقاربة تقوم على شبكة ضغط متعددة الاتجاهات، لا مواجهة موضعية محدودة.

تعتمد طهران توزيع الضربات تصاعديا مع استخدام قدرات صاروخية أكثر تطورا وانتقاء أهداف حساسة داخل إسرائيل. الهدف لا يقتصر على إحداث خسائر مباشرة، بل يتعداه إلى استنزاف القدرات الدفاعية الإسرائيلية ودفع تل أبيب إلى استهلاك مخزونها العسكري، وفرض واقع ميداني ضاغط. بالتوازي، تراهن إيران على إنهاك الجبهة الداخلية الإسرائيلية نفسيا وسياسيا، مع استمرار حالة الاستنفار والدخول المتكرر إلى الملاجئ.

الضغط يتجاوز البعد العسكري ليطال الاقتصاد والسياسة الدولية، إذ إن تهديد الممرات البحرية أو تدفق النفط يوسّع دائرة التأثير ويضع واشنطن أمام تحديات إضافية. ورغم رفع شعارات تصعيدية، تمارس طهران سياسة رد محسوب على حافة الهاوية، يهدف إلى تعزيز الردع من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

دخول حزب الله في المعادلة يرتبط بحسابات تشتيت الجبهة الإسرائيلية وإلغاء عنصر المفاجأة، ضمن سياسة توزيع الجبهات واستنزاف الخصم تدريجيا. العراق حاضر في المشهد، واليمن قد يشكل عنصرا مفصليا إذا تصاعد دوره في استهداف المصالح الحيوية، فيما تمثل حركتا حماس والجهاد الإسلامي جزءا من شبكة الضغط المستمرة.

حتى الآن، لم يؤدِّ استهداف قيادات داخل إيران إلى تغيير جوهري في مسار المواجهة، كما أن الرهان على اضطرابات داخلية يبدو ضعيفا في المدى القريب. المعركة تُدار بعقلية صبر طويل، حيث يصبح الفعل ورد الفعل إطار المرحلة.

واشنطن تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فالرد على استهداف مصالحها ضرورة سياسية، لكن التصعيد الواسع قد يفتح الباب أمام مواجهة أكبر غير محسوبة النتائج. ويُطرح سؤال حول ما إذا كانت إيران تسعى إلى جرّ الولايات المتحدة إلى ضربة أوسع تمنحها فرصة إعادة صياغة قواعد الاشتباك بشروط مختلفة.

في المقابل، يبدو أن بنيامين نتنياهو يسعى إلى دفع واشنطن لتبنّي مقاربته الأمنية، بما يخدم رؤيته لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية. كما يحاول استثمار اللحظة الدولية لإعادة تثبيت الردع الإسرائيلي وفرض معادلات جديدة قبل أي تحولات محتملة في المشهد الأميركي.

المؤشرات تفيد بإمكانية ارتفاع وتيرة الهجمات الإسرائيلية ضد لبنان، مع حديث عن استهداف شامل لقدرات حزب الله، ما يجعل أي خطأ في الحسابات مدخلا لانفجار أوسع.

المنطقة تقف أمام اختبار تاريخي بين مشروع لإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق رؤية إسرائيلية، ومشروع مضاد يسعى إلى قلب موازين النفوذ. الأيام المقبلة وحدها ستحدد ما إذا كانت المواجهة ستبقى حرب استنزاف طويلة، أم تتحول إلى محطة مفصلية تعيد رسم خرائط القوة في الإقليم .

المصدر: موقع اضاءات الإخباري