عبد الحميد كناكري خوجة: السواد الأعظم...حين يسلط الضوء على بريق الوهم ويعلو صوت الحق.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: السواد الأعظم...حين يسلط الضوء على بريق الوهم ويعلو صوت الحق.


” السواد الأعظم...ميزان القرآن في زمن المظاهر؛ حين يضيء الموقف الصادق طريق العدالة ومؤازرة المظلومين والمكلومين والضعفاء، ويظهر جليا أن الكرامة والوحدة هما أسمى غايات الرسالة ".

ليست الألوان في اللغة العربية مجرد ظلال للنظر، بل مفاتيح لمعان حضارية راسخة.

ومن هنا قال العرب السواد الأعظم ولم يقولوا البياض الأعظم، إشارة إلى كثرة الأمة واتساع وعمق حضورها. فالكتلة الغفيرة، حين ينظر إليها من بعيد، تبدو داكنة، لكنها تحمل في طياتها قوة الجماعة وصوت ونداء الضمير، واستمرارية الرسالة.

ومن هذا التأمل اللغوي ينفتح باب أعمق: كيف تقاس المواقف اليوم؟ هل بالمظاهر البراقة أم بالمواقف التي ترتكز على القران الكريم والسيرة النبوية الشريفة، وتجسد العدالة والرحمة والوحدة؟

لقد وضع القرآن الكريم ميزانا واضحا: العدالة والنية الصادقة والعمل، فقال تعالى:{ إن الله تعالى يأمر بالعدل والاحسان } وقال أيضا { وجعلناكم أمة وسطا} ومن هذا الميزان الإلهي نشأت مدارس علمية ترى أن الدين رسالة هداية لا مجرد خطاب صوتي، وأن الأخذ بيد المظلوم وحماية المقدسات_وفي مقدمتها القدس ومسجد الإسراء والمعراج_مسؤولية أخلاقية تتجاوز الزمان والمكان.

في عالم الرموز، كثيرا ما تختبئ المفارقات؛ فكم من رمز داكن يحمل في جوهره بياض الموقف وصفاء الضمير، وكم من مظهر ناصع يلمع على السطح لكنه فارغ من المعنى. هذا الفرق الدقيق يعلمنا أن المعيار الحقيقي ليس اللون ولا الشعار، بل الموقف من الحق والعدالة والكرامة.

وقد برز في هذا الإطار علماء معاصرون التزموا ميزان القرآن والسيرة حاملين شعلة إحقاق الحقوق والوعي، متشبثين برسالة الإسلام الحنيف في الدفاع عن الأمة ومؤازرة المظلوم، بعيدا عن أي تطبيع أو انبطاح للضغوط الإستعمارية. هذه الأمثلة تذكر الأمة بأن الحق لا يقاس بالسطح، بل بالمواقف الثابتة التي تحمي القيم والكرامة في المقابل هناك قلة محدودة، قد تتحدث عن وطأة الموقف، تتشدق بالبياض ظاهريا، لكنها_مهما علا نبرتها_لا تستطيع إخفاء الفرق بين المظهر والصوت الصادق الذي يحمل البر و يحقق العدالة. وهنا يبرز السواد الأعظم للضمير الجمعي، صدى العقل والوجدان، وتذكير بأن قوة الأمة في وحدتها ووعيها الجمعي وإعلاء حقوقها.

وهكذا يتجلى معنى السواد الأعظم ليس فقط كثرة الناس، بل اتساع الوعي والضمير، وثبات الموقف على مبادئ القرآن الكريم والسيرة النبوية الطاهرة أولا.

وفي زمن تتقاطع فيه المصالح وتتفاقم الضغوط، يظل بعض العلماء متمسكين بالميزان القرآني، يعلمون أن الكرامة لا تقايض، وأن الدفاع عن المظلوم ليس شعارا، بل عهد أخلاقي، وعندئذ يظهر جليا أن السواد الأعظم_حين يقترن بالحق_يضيئ طريق الأمة، ويجعل الوحدة والحوار البناء خيارا راسخا ووسيلة لحماية الأمة ومقدساتها، وصوتا صادقا ينير دروب التاريخ والضمير.

فالحق حين يحتكم بالميزان والضمير يضيئ الطريق مهما أشتد الظلام، ويظل السواد الأعظم نورا في ميزان الأمة، صدى القرآن، ومرآة لروح الرسالة، ودليلا على أن الموقف الصادق لا يطمس مهما كثرت الشعارات.

مفكر وكاتب دمشقي حر.