أعلن باحثون عن تقدم علمي مبكر نحو تطوير علاج محتمل لمضاعفات متلازمة الأمعاء القصيرة، وهي حالة صحية غالبا ما تظهر بعد إجراء جراحات كبرى في الأمعاء الدقيقة.
وتشير دراسة حديثة إلى أن مركبا دوائيا تجريبيا جديدا قد يساعد في حماية الكبد بعد استئصال أجزاء من الأمعاء الدقيقة، وهي جراحة تُجرى في الحالات التي تتعرض فيها الأنسجة المعوية لتلف شديد أو موت الخلايا.
وتُعرف هذه العملية باسم الاستئصال الجذري للأمعاء الدقيقة، وهي قد تنقذ حياة المريض، لكنها قد تؤدي لاحقا إلى مضاعفات صحية خطيرة، أبرزها تلف الكبد التدريجي أو حتى الفشل الكبدي، مما قد يستدعي في بعض الحالات إجراء زراعة كبد.
وبحسب الدراسات، قد تؤثر هذه المضاعفات على نحو 15% من المرضى الذين يخضعون لعملية استئصال الأمعاء الدقيقة. وحتى الآن لا توجد أدوية معتمدة للوقاية من هذه الحالة أو علاجها.
تجربة علمية تقودها جامعة واشنطن
طوّر باحثون في كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس مركبا دوائيا تجريبيا واختبروه على الفئران في محاولة لمعالجة هذه المشكلة الطبية.
وأظهرت النتائج أن هذا المركب قد يساعد على:
حماية الكبد من التلف بعد الجراحة
تحسين قدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية
كما اكتشف الباحثون أن الدواء يعمل داخل الجهاز الهضمي فقط دون الانتشار في باقي أجزاء الجسم، وهو ما قد يقلل من خطر الآثار الجانبية.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في 6 مارس 2026 في مجلة Gastroenterology العلمية.
الحفاظ على وظائف الكبد
قالت الباحثة غويندالين راندولف، الأستاذة المتميزة في علم المناعة بقسم علم الأمراض والمناعة في كلية الطب بجامعة واشنطن، إن الهدف من هذا البحث هو تطوير دواء قادر على:
الحفاظ على وظائف الكبد
تقليل الحاجة إلى عمليات زراعة الكبد لدى المرضى الذين خضعوا لجراحات الأمعاء الدقيقة
وأوضحت أن نتائج الدراسة تمثل مسارا واعدا لتطوير علاج فعّال لهذه المشكلة الطبية.
العلاقة بين جراحات الأمعاء ومتلازمة الأمعاء القصيرة
غالبا ما تُجرى جراحة استئصال الأمعاء الدقيقة لدى الأطفال الخدّج المصابين بمرض خطير في الجهاز الهضمي يسمى التهاب الأمعاء والقولون النخري، وهو مرض يؤدي إلى موت أجزاء من الأمعاء ويستدعي إزالتها جراحيا.
ورغم أن الجراحة قد تنقذ حياة الطفل، إلا أنها قد تؤدي لاحقًا إلى متلازمة الأمعاء القصيرة، وهي حالة تحدث عندما تصبح الأمعاء أقصر من اللازم، ما يجعلها غير قادرة على امتصاص العناصر الغذائية بكفاءة.
وغالبا ما يحتاج الأطفال المصابون بهذه المتلازمة إلى دعم غذائي طويل الأمد عبر مضخة تغذية تقوم بإيصال المغذيات مباشرة إلى الدم من خلال الوريد.
لكن هذه الطريقة العلاجية قد تزيد أيضا من خطر الإصابة بأمراض الكبد مع مرور الوقت.
اكتشاف دور البكتيريا المعوية في تلف الكبد
كان الجراح والباحث الراحل براد وارنر، المتخصص في جراحة الجهاز الهضمي لدى الأطفال في جامعة واشنطن، قد كرّس جزءا كبيرا من أبحاثه لتحسين نتائج علاج مرضى متلازمة الأمعاء القصيرة.
وفي دراسة سابقة نُشرت عام 2021 بالتعاون مع فريق الباحثة راندولف، اكتشف العلماء أن مادة ضارة تنتجها بكتيريا الأمعاء يمكن أن تنتقل إلى الكبد بعد جراحة استئصال الأمعاء الدقيقة، ما يسهم في حدوث تلف كبدي.
كما أظهرت الدراسة أن البروتين الدهني عالي الكثافة (HDL)، المعروف باسم الكوليسترول الجيد، يمكن أن يساعد في حماية الكبد من هذه المواد الضارة القادمة من الأمعاء.
تطوير دواء يستهدف الأمعاء فقط
ركز فريق البحث في الدراسة الجديدة على فئة من الأدوية تُعرف باسم منشطات مستقبلات الكبد X (LXR agonists)، وهي مركبات تعمل على تحفيز إنتاج الكوليسترول الجيد في الكبد والأمعاء.
لكن محاولات سابقة لتطوير أدوية من هذه الفئة واجهت مشكلة كبيرة، إذ إن المركبات التي تؤثر في الجسم كله قد تسبب آثارا جانبية خطيرة.
وللتغلب على هذه المشكلة، صمم العلماء مركبا يعمل داخل الأمعاء فقط دون الانتشار في بقية الجسم، وهو ما يُعرف باسم المركبات المقيّدة بالجهاز الهضمي.
وقد جرى تصنيع المركب المستخدم في الدراسة بواسطة الباحث بهاء الجندي، الأستاذ المشارك في قسم التخدير بجامعة واشنطن والمتخصص في الكيمياء الدوائية.
وأطلق الباحثون على المركب الجديد اسم WUSTL0717.
نتائج واعدة في التجارب على الفئران
اختبر العلماء تأثير المركب الجديد على الفئران التي خضعت لجراحة استئصال الأمعاء الدقيقة، وهي حالة تؤدي عادة إلى فقدان شديد في الوزن بسبب ضعف امتصاص الغذاء.
وقد تلقت الفئران الدواء بعد ثلاثة أسابيع من الجراحة.
وأظهرت النتائج أن الفئران التي تلقت العلاج:
امتصت العناصر الغذائية بشكل أفضل
اكتسبت وزنًا أكبر مقارنة بالفئران غير المعالجة
ما يشير إلى أن المركب قد يساعد في حل إحدى أكبر المشكلات التي يعاني منها مرضى الأمعاء القصيرة.
حماية الكبد من التليف
كما فحص الباحثون تأثير الدواء على الكبد، فوجدوا أنه ساعد في الوقاية من التليف الكبدي، وهو تراكم الأنسجة الندبية التي تعيق عمل الكبد الطبيعي.
وأظهرت الفحوص أن الفئران التي تلقت المركب الجديد كانت لديها مستويات أقل من الكولاجين في الكبد مقارنة بالفئران غير المعالجة.
ويعد الكولاجين أحد المكونات الرئيسية للأنسجة الندبية التي تتشكل أثناء التليف.
كما كشفت التحليلات الجينية انخفاض نشاط عدة جينات مرتبطة بعملية التليف في أكباد الفئران التي تلقت العلاج.
استراتيجية علاجية دقيقة لتقليل الآثار الجانبية
أوضح الباحث بهاء الجندي أن الهدف المستقبلي هو تطوير جيل جديد من العلاجات الدقيقة التي تستهدف أنسجة محددة في الجسم.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى:
الحفاظ على الفائدة العلاجية للأدوية
تقليل التأثيرات الجانبية غير المرغوب فيها في بقية الجسم
وأضاف أن هذا النهج يسمح بإعادة دراسة أهداف بيولوجية كانت سابقا تُعتبر صعبة التطوير بسبب مخاوف السلامة.
نحو علاج مستقبلي لمتلازمة الأمعاء القصيرة
عمل فريق البحث مع مكتب إدارة التكنولوجيا في جامعة واشنطن لتسجيل براءة اختراع تتعلق باستخدام المركب WUSTL0717 كعلاج محتمل لمتلازمة الأمعاء القصيرة.
وفي الدراسات القادمة، يخطط العلماء لمعرفة ما إذا كان المركب سيظل قادرا على حماية الكبد عندما تتلقى الحيوانات أيضًا تغذية وريدية طويلة الأمد، وهي طريقة علاجية قد تزيد الضغط على الكبد.
وقال الجراح كولين مارتن، أحد المشاركين في الدراسة والمتخصص في جراحة الأطفال: إن غياب العلاجات الفعالة لمرضى متلازمة الأمعاء القصيرة يترك تأثيرا كبيرا على صحتهم على المدى الطويل.
وأضاف أن النتائج الأولية لهذه الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو تطوير علاج يحافظ على وظائف الكبد ويحسن امتصاص الغذاء، ما قد يساهم في تحسين جودة حياة المرضى المصابين بهذه المتلازمة.