التمديد للمجلس النيابي سيسقط حتماً …
مقالات
التمديد للمجلس النيابي سيسقط حتماً …
عباس المعلم
11 آذار 2026 , 16:38 م

بقلم ( عباس المعلم )

ما جرى في المجلس النيابي ليس إجراءً تقنياً، ولا تدبيراً ظرفياً تفرضه تعقيدات المرحلة، بل هو فعل سياسي فظّ يرقى إلى مستوى الاعتداء الصريح على جوهر الشرعية الدستورية. فالبرلمان الذي مُنح وكالة محددة بأربع سنوات، أقدم على تمديدها لنفسه عامين كاملين، وكأن الإرادة الشعبية بند ثانوي يمكن القفز فوقه بقرار إداري بارد.

في أبسط المعايير الدستورية، لا يملك أي مجلس نيابي تفويضاً مفتوحاً يجيز له تمديد عمره السياسي خارج صندوق الاقتراع. فالوكالة الشعبية ليست ملكاً للمجلس كي يمددها متى شاء، بل عقد سياسي محدود الأجل بين الأمة وممثليها. وما جرى اليوم هو كسر فاضح لهذا العقد، بل انقلاب ناعم على القاعدة التي يقوم عليها أي نظام تمثيلي.

كان يمكن – لو كان ثمة حد أدنى من احترام النصوص والناس – تمرير تأجيل تقني محدود بذريعة الظروف الاستثنائية وتداعياتها الأمنية والسياسية، يمتد لأشهر معدودة لا تتجاوز أربعة إلى ستة أشهر كحد أقصى. مثل هذا التأجيل كان يمكن أن يُفهم في سياق الضرورات المرحلية. أما تمديدٌ لعامين كاملين، فهو ليس إجراءً تقنياً بل مصادرة سياسية مكشوفة للحق الشعبي في إعادة إنتاج السلطة.

لكن القراءة العميقة لمجريات المشهد اللبناني تشير إلى أن هذا القرار ولد ميتاً. فالتمديد الذي أُقرّ اليوم قد سقط عملياً قبل أن يجفّ حبره. ليس لأن النص ضعيف فحسب، بل لأن البيئة السياسية والداخلية التي تحيط به غير قابلة لحمله أو حمايته. فلبنان يقف على عتبة تحولات داخلية وإقليمية متسارعة ستجعل من هذا القرار مجرد حلقة عابرة في مسار إعادة تشكيل التوازنات.

من يراقب حركة الوقائع يدرك أن الانتخابات النيابية لن تُرحَّل لعامين كما يُراد لها. بل إن الاحتمال الأرجح هو أن تفرض التطورات انتخابات خلال هذا العام نفسه، سواء بفعل ضغط داخلي متراكم، أو نتيجة تداعيات سياسية وأمنية ستقلب الطاولة على هذا الترتيب الهش. فالأنظمة التي تحاول تمديد عمرها قسراً غالباً ما تسقط قبل أن تبلغ موعدها الجديد.

الأمر لا يقف عند حدود البرلمان. فالتمديد النيابي ليس سوى محاولة لترميم منظومة شرعية مهترئة أصلاً. هذه المنظومة التي أنتجت السلطة الحالية، من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة، جاءت في ظل توازنات مفروضة بعوامل خارجية صريحة وأخرى داخلية مركّبة. ولهذا فإن القرار الذي صدر اليوم لا يمكن قراءته إلا كجزء من محاولة تثبيت تلك المعادلة القسرية.

فالتمديد هو، في جوهره، تمديد للّاشرعية التي أتت بهذه السلطة. تمديد للتركيبة السياسية التي أفرزت العهد الحالي والحكومة القائمة، في وقت يتسع فيه الشرخ بين السلطة والشارع إلى درجة غير مسبوقة.

وبهذا المعنى، فإن ما سيحدث خلال الأشهر القليلة المقبلة مرشح لأن يكون لحظة مفصلية. فبعد شهرين فقط، ومع تراكم الأزمات والتناقضات، ستجد السلطتان التنفيذية والتشريعية نفسيهما أمام مأزق شرعي حقيقي. شرعية دستورية مهزوزة، وشرعية شعبية متآكلة، وسلطة لا تستند إلا إلى توازنات ظرفية قابلة للانهيار في أي لحظة.

لبنان لا يمكن أن يُدار طويلاً بهذه التركيبة. ولا يمكن لبلد يعيش هذا القدر من الانهيار والتشظي أن يستمر تحت سلطة تفتقد إلى الحد الأدنى من التفويض الشعبي الفعلي.

المشكلة هنا ليست فقط في التمديد، بل في العقل السياسي الذي يظن أن الأزمات يمكن إدارتها عبر تمديد المهل، وكأن الزمن وحده كفيل بإعادة إنتاج الشرعية. لكن التاريخ السياسي اللبناني، القريب والبعيد، يثبت عكس ذلك تماماً: الشرعية التي تُمدَّد بالقوة تسقط بالقوة أيضاً.

ولهذا، فإن القرار الذي اتُخذ اليوم لن يكون خاتمة المسار، بل بداية أزمة أعمق. أزمة ستدفع – عاجلاً أم آجلاً – نحو إعادة رسم التوازنات السياسية في البلاد، ولكن هذه المرة وفق معادلات مختلفة تماماً عن تلك التي تحكم المشهد الآن.

فلبنان، في لحظات التحول الكبرى، لا يطيق طويلاً سلطاتٍ بلا تفويض. والسلطة التي تفقد شرعيتها تتحول – مهما حاولت التجمّل بالنصوص – إلى مجرد هيكل سياسي هش ينتظر لحظة سقوطه.

عباس المعلم - كاتب سياسي