حماس سعيد عبدلي
شكّل الاستعمار لحظة فارقة في تاريخ الشعوب المستعمَرة، ليس فقط على المستوى السياسي أو الاقتصادي، بل على المستوى النفسي والثقافي أيضًا. وقد حاول العديد من المفكرين والباحثين مقاربة هذه الظاهرة من زوايا متعددة، غير أن فرانز فانون قدّم واحدة من أعمق التحليلات التي تتناول البعد السيكولوجي للاستعمار وآثاره المدمّرة على وعي وهوية الشعوب المستعمَرة. إذ يقول في كتابه الشهير "بشرة سوداء أقنعة بيضاء" "أتكلم على ملايين الناس الذين جرى تعليمهم الخوف بدراية تعليمهم عقدة النقص الاضطراب الركوع اليأس والذلة ينبغي علينا أن ندرس أولا كيف يعمل الاستعمار على نزع الحضارة عن المستعمِر، على تحويله إلى وحش بالمعنى الحقيقي للكلمة على إذلاله على إيقاظ الغرائز الدّفينة، الطمع والعنف والكراهية العنصرية، والنسبية الأخلاقية". وعلى الرغم من أن ابن خلدون سبق فانون بقرون، إلا أن نظريته حول "اقتداء المغلوب بالغالب" تطرح أساسًا فلسفيًا يضيء الكثير من الآليات النفسية التي يعمل من خلالها الاستعمار على إعادة تشكيل المستعمَر. من هنا تنبع أهمية الربط بين الطرحين، في محاولة لفهم البنية النفسية للاستعمار من جهة، وآليات الهيمنة الثقافية والتمثّل الداخلي للدونية من جهة أخرى.
وبالتالي كيف يمكن فهم الظاهرة الاستعمارية بوصفها أزمة نفسية وثقافية تتجاوز الهيمنة العسكرية والاقتصادية؟
وما الذي يجمع بين تحليل فانون النفسي للاستعمار ونظرية ابن خلدون حول تمثّل المغلوب لقيم الغالب؟
ثم، إلى أي مدى يساهم هذان النموذجان في تفكيك جذور التبعية الثقافية والسيكولوجية التي خلّفها الاستعمار؟
أولًا: التحليل السيكولوجي للاستعمار عند فرانز فانون
انطلق فانون في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" من التحليل النفسي لفهم علاقة المستعمِر بالمستعمَر، وإبراز عواقب الاستعمار ٔالسيكولوجية والاجتماعية، وذلك بالتركيز على الزنوجة باعتبارها خاصية عرقية مبينا أهميتها بالنسبة للمشروع الاستعماري القائم على التشويه والقمع، وكذا قابلية المستعمر الزنجي للاقتناع بارتداء قناع أبيض عن طريق تبني لغة المستعمر وثقافته في محاولة لمواجهة الشعور بالدونية. ورغم تأثره بالمنهج الماركسي في تفسير ظاهرة الكولونيالية إلا أنه تبين له قصوره ذلك المنهج. كما أن مصطلحات ماركس كانت قاصرة على أن تطال الدراسات النفسية للاستعمار وبهذا رأى أن النظرة الطبقية عند ماركس كانت اجتماعية اقتصادية عند الاشتراكية، وأن مجال تمثلها هي ثنائية العبد والسيد، بينما الطبقية عند فانون كانت نفسية بالأساس. الأمر الذي يدفع بالسود أو أبناء المستعمرات إلى تمثّل القيم الأوروبية بشكل قسري، في سلوك تعويضي، يظهر في طريقة الكلام، اللباس، وحتى محاكاة "الرقي الأبيض" عبر التماهي معه ونفي الذات. لقد وصف فانون الاستعمار بأنه "حالة عصابية"، تجعل الأسود أمام خيار وجودي: إما أن يُبيّض أو أن يزول. وهذا الصراع النفسي يولد اضطرابًا داخليًا مزمنًا لدى المستعمَر، الذي يجد نفسه دائمًا في حاجة إلى مرجعية خارجية "بيضاء"، عاجزًا عن بناء ذات مستقلة. وهو ما فسّره فانون على أنه إحدى نتائج تفكيك الاستعمار لهوية الشعوب، وسلبها أدوات التعبير والتحقق الذاتي. كما قام فانون بدور مركزي فـي دحـض أطروحـات علـم الـنفس الاسـتعماري، الـذي مثـل الفرنسـي "اوكـتـاف مـانونيOctave Mannoni " ابـرز أقطابـه، حیث حـث فـانون علـى النظـر إلى ظاهرة الاحتلال من خارج المنظومة الاستعمارية وتقويض أطروحة " الباطرياركية الإسـتعماریة " التـي نـادى بهـا "مـانوني". هذه الأطروحة التي تعمل على تبرير الاستعمار وجرائمه بالارتكاز على علم نفس الكولونيالي وعقدة موت الأب، أي أن الشعوب المستعمرة هي شعوب يتيمة و وجدت في الاستعمار ما يعوضها عن شعورها باليتم والاغتراب وأن العقدة الاتكالية عند المستعمر هي التي تجعله ناضجا للاستعمار الكولونيالي. غير أن فانون اعتبر التبعية نت نتيجة حتمية للحكم الاستعماري و ليست نتيجة انطولوجية للوجود الإنساني، و ليس صحيح ما يدعيه مانوني من ٔان الاستعمار يجسد وجود المستعمر بحد ذاته، وإنما يعمل على جعل المستعمرين خاملين واتكاليين، ٔلأن الثقافة التي يريد الاستعمار تكريسها هي ثقافة غرضها الأول الإبقاء على الوضع الاستعماري كما هو، وعكس ذلك فإن المستعمر يجد متعة من استعباد رجل آخر والسيطرة عليه، لكن ما يبقي المستعمر الحقيقي مرتبطا بالوضع الكولونيالي هو الحصول على الثراء ب ٔاقصى سرعة ممكنة.
في إطار التحليل البسيكولوجي لتأثير الاستعمار، يقدّم أوكتاف مانوني تفسيرًا مثيرًا للجدل لطبيعة العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، خصوصًا في مدغشقر. حيث يرى أنه "في بداية الاستعمار، كانت كل قبيلة تريد أن يكون لها أبيضها"، وهو ما يفسره بوجود آليات سحرية طوطمية وبحاجة نفسية عميقة للاتصال بـ"الله القهار". ووفقًا لهذا الطرح، فإن المجتمعات المستعمَرة كانت تنظر إلى الرجل الأبيض باعتباره رمزًا للسلطة المطلقة، وقد أسقطت عليه لا شعوريا صفات الطوطم المقدس أو القوة الخارقة التي تحكم وتحمي. هذا التفسير الذي يستند إلى أنثروبولوجيا التحليل النفسي، يفترض أن خضوع الشعوب للاستعمار لم يكن فقط نتيجة للقوة المادية، بل أيضًا بفعل استعدادات نفسية كامنة تستدعي وجود سلطة قاهرة. غير أن هذا الطرح لم يَسلم من النقد، خصوصًا من طرف فانون، الذي رفض اختزال الظاهرة الاستعمارية في رغبات لا واعية لدى الشعوب المستعمَرة، مؤكدًا أن الاستعمار يقوم على بنية عنف مادي ورمزي ممنهج، وأن مثل هذه التأويلات تغفل عنف الإخضاع الذي مارسه الرجل الأبيض باسم الحضارة. فللزنجي في الوعي الجمعي الأوروبي وظيفة تمثيل المشاعر الدُنيا؛ الميول الشرّيرة؛ الجانب المُظلم من النفس. ففي اللاوعي الجمعي للإنسان الغربي، يرمز الزنجي، أو إذا شتم اللون الأسود، إلى الشرّ، الخطيئة، البؤس، الموت، الحرب، المجاعة وذلك وفقا لتحليل فانون.
ثانيًا: من فانون إلى ابن خلدون – "اقتداء المغلوب بالغالب" كنموذج نفسي للهيمنة
ما يطرحه فانون في منتصف القرن العشرين لا يبتعد كثيرًا عمّا جاء به ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، وتحديدًا في الفصل الذي تناول فيه ميل "المغلوب" إلى تقليد "الغالب" في لباسه، لغته، دينه، وعاداته، اعتقادًا منه أن الغالب متفوق بطبيعته وليس فقط بقوته. وذلك في قوله "النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب". هذا الاقتباس يلتقي جوهريًا مع تحليل فانون، الذي يرى أن تبنّي قيم المستعمِر ينبع من شعور بالدونية المتجذرة، والتي سعى المستعمر لتكريسها. وبينما فسّر ابن خلدون الظاهرة من منظور اجتماعي وفلسفي، جاء فانون ليعمّق الفكرة بتحليلها من الداخل النفسي للمستعمَر، مبرزًا كيف تتحول هذه الآلية إلى اغتراب ذاتي دائم، لا يمكن الخروج منه إلا بثورة شاملة على الاستعمار المادي والفكري. إذ انطلق فانون في تحليله البسيكولوجي لعلاقة المستعمر بالمستعَمر بتعريفه للاستعمار بأنه حالة "عصابية" وبأن انقباض الأنا كمسار دفاعي ناجح مستحيل على الأسود فهو بحاجة الي مرجعية بيضاء دائما من أجل إدراك نفسه وتعريفها. وفي ذات السياق يمكن القول إن ما وصفه أليون ديوب بمفهوم "الزنوجة" (La Négritude) هو في جوهره دعوة لاستعادة الوعي بالذات، والتحرر من وهم الكمال الغربي. إنها لحظة تمرّد على آلية "اقتداء المغلوب بالغالب"، كما وصفها ابن خلدون، ومحاولة للاعتراف بالقيمة الذاتية للثقافات غير الأوروبية. فبحسب هذا الطرح، المستعمَر لا يتحرر من التبعية ما لم يدرك أنه ليس بحاجة إلى مرآة أوروبية يرى فيها نفسه، بل إلى إعادة اكتشاف ذاته خارج مقاييس الرجل الأبيض. يعبر فانون عن هذه الحالة النفسية المعقّدة قائلاً: "المستعمر سيكون منفلتا من دغله على قدر ما يعتنق قيم المتروبول الثقافية، وسيكون أبيض على قدر ما يرفض سواده." ففي المجتمعات المستعمَرة، مثل مارتينيك، يصبح الشخص الذي يتقن اللغة الفرنسية ويجيد التعبير بها، محاطًا بنوع من الهيبة، ويُنظر إليه على أنه "شبه أبيض"، بما أنه أقرب إلى نموذج المستعمِر في لغته وسلوكه. هذه الهيبة لا تنبع من كفاءة ذاتية فحسب، بل من ارتباطها بمرجعية خارجية، تجعل من الفرنسي النموذج الأعلى للكمال.
إضافة إلى أن السود، خصوصًا المتعلمين والمتنورين، يعانون من شعور بالدونية يعملون جاهدين للتغلّب عليه، ولكن بوسائل ساذجة غالبًا: ارتداء الملابس الأوروبية، تقليد آخر صيحات الموضة، استخدام أدوات الرجل الأبيض، التحدث بلغة متكلفة أو إدخال عبارات أوروبية إلى اللغة المحلية. إن هذه الأفعال ليست تعبيرًا عن ذوق حرّ، بل عن محاولة لاشعورية للتقرب من صورة المستعمِر، بغية الشعور بالمساواة، أو بالأحرى لإخفاء الشعور بالنقص. هذا التفسير السيكولوجي مثلما رأينا سابقا والذي قدّمه فانون نجد جذوره عند ابن خلدون عندما حاول أن يفسر لماذا يكون المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب فيقول " والسبب في ذلك أنَّ النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إمَّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنَّ انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء"
في ضوء ما تقدم فإن التحليل السيكولوجي الذي قدّمه فرانز فانون، حين يُقرأ إلى جانب مقولات ابن خلدون حول تقليد المغلوب للغالب، يفتح أفقًا عميقًا لفهم العلاقة المركّبة بين القوة والوعي. فبينما يعمل الاستعمار على فرض نفسه بالقوة، فإنه يحقق استمراريته عبر إقناع المستعمَر بتفوّق ثقافة المستعمِر، وجعله شريكًا في تمثّل دونيته. ومن هنا فإن تفكيك الاستعمار لا يجب أن يقتصر على استعادة السيادة السياسية أو التحرر الاقتصادي، بل لا بد أن يمتد إلى التحرر النفسي والثقافي، من خلال استعادة الذات ورفض الأقنعة، وخلق نموذج إنساني جديد، يتجاوز الثنائيات الاستعمارية: أبيض/أسود، غالب/مغلوب، مركز/هامش وهي الثنائيات التي لطالما سعى الاستعمار ترسيخها من خلال مثقفيه.