مسيرات الشعب الإيراني في يوم القدس بالملايين… وبينما يلتف الشعب حول قيادته يصفه ترامب بـ«أمة الإرهاب والكراهية»!
مقالات
مسيرات الشعب الإيراني في يوم القدس بالملايين… وبينما يلتف الشعب حول قيادته يصفه ترامب بـ«أمة الإرهاب والكراهية»!
د. هناء سعادة
14 آذار 2026 , 07:33 ص

بقلم: د. هناء سعادة

لم يكن يوم القدس العالمي هذا العام مجرد مناسبة رمزية تتكرر في آخر جمعة من شهر رمضان الفضيل، بل تحوّل إلى مشهد سياسي وتاريخي بالغ الدلالة. فقد خرج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع والساحات في مختلف المدن، من طهران إلى مشهد وأصفهان وقم وتبريز، في مسيرات ضخمة تؤكد أن قضية القدس لا تزال حاضرة في وجدان الشعب الإيراني، وأن الضغوط السياسية والعسكرية لم تنجح في تفكيك هذه العلاقة العميقة بين الشعب وقضيته المركزية.

كان المشهد الذي ارتسم في الشوارع الإيرانية لافتاً في رسائله. حشود بشرية هائلة ترفع الأعلام وتردد شعارات التضامن مع فلسطين، وتسير بثبات وثقة في وقت تحاول فيه قوى دولية تصوير إيران كدولة تعيش حالة اضطراب داخلي. غير أن الواقع الميداني أظهر صورة مختلفة تماماً: شعب خرج بالملايين غير خائف، ملتف حول دولته ومؤسساته، ومعبّراً عن موقفه السياسي بوضوح أمام العالم.

ولعل ما أعطى هذه المسيرات بعداً إضافياً هو حضور القيادات السياسية العليا فيها، فقد ظهر رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ورئيس السلطة القضائية وغيرهم بين الناس في الشوارع، يسيرون وسط الجماهير ويشاركونهم الهتاف والمسير، في مشهد يعبّر عن علاقة مميزة بين القيادة والشعب، علاقة تقوم على المشاركة في الميدان لا على الاكتفاء بالخطابات الرسمية. عكس هذا الظهور المشترك بين القيادة والجماهير رسالة واضحة: أن الدولة الإيرانية لا ترى في الشارع خصماً أو خطراً، بل فضاءً طبيعياً للتعبير الشعبي والسياسي.

وفي المقابل، يبرز التناقض الحاد مع الصورة في الجانب الآخر. ففي الوقت الذي تملأ فيه الجماهير الإيرانية الساحات، يظهر رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في اجتماعات مغلقة أو عبر شاشات الاتصال الافتراضي، يعقد لقاءاته السياسية والعسكرية عبر تطبيقات التواصل عن بعد، بعيداً عن أي مشهد شعبي حقيقي. المفارقة هنا ليست بروتوكولية فحسب، بل تعكس اختلافاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع: بين قيادة تسير وسط الجماهير، وقيادة تتحرك خلف جدران الأمن والخوف.

ومن بين الرسائل السياسية التي كشفتها مسيرات يوم القدس هذا العام، سقوط أحد أهم رهانات الخطاب الأمريكي في تعاطيه مع إيران. فقد حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية الحرب الجائرة تسويق فكرة أنه يتحرك من أجل “إنقاذ الشعب الإيراني”، مقدماً سياساته العدائية ضد الدولة الإيرانية بوصفها دعماً للإيرانيين أنفسهم. غير أن المشهد الذي ظهر في الشوارع قلب هذه الرواية رأساً على عقب.

فعندما خرج الملايين في مسيرات يوم القدس، رافعين شعاراتهم السياسية ومؤكدين التفافهم حول قيادتهم، تبدل الخطاب الأمريكي بشكل واضح. لم يعد الحديث عن “إنقاذ الشعب الإيراني”، بل بدأ وصف الإيرانيين أنفسهم بأنهم “أمة الإرهاب والكراهية”. غير أن ما بدا أكثر دلالة هو أن هذه المسيرات لم تكن حدثاً عابراً ليوم واحد، بل جاءت امتداداً لحراك شعبي واسع شهدته المدن الإيرانية خلال الأيام الماضية، حيث خرجت الجماهير بالملايين في مسيرات ليلية متواصلة، تعبّر عن تضامنها مع قيادتها ورفضها للعدوان، في مشهد شعبي متكرر يعكس تماسك المجتمع الإيراني والتفافه حول دولته في لحظة المواجهة.

يكشف هذا التحول السريع في اللغة السياسية أن الرهان لم يكن يوماً على الشعب بقدر ما كان رهاناً على تفككه وانقسامه. وعندما سقط هذا الرهان في الشارع، تبدلت الرواية فوراً، وتحول الخطاب من ادعاء الدفاع عن الإيرانيين إلى مهاجمتهم ووصمهم جماعياً.

لم تكن مسيرات يوم القدس في إيران مجرد تظاهرات تضامنية مع فلسطين فحسب، بل كانت أيضاً استفتاءً سياسياً مفتوحاً على العلاقة بين الشعب والدولة، وعلى قدرة المجتمعات على الصمود أمام الضغوط الخارجية. فالحشود التي ملأت الشوارع لم تحمل فقط أعلام فلسطين، بل حملت أيضاً رسالة سياسية مفادها أن الرهان على تفكيك المجتمعات من الخارج يظل رهانا محفوفاً بالفشل عندما تكون الروابط الوطنية حاضرة بقوة.

هكذا بدا يوم القدس هذا العام: ساحة تختلط فيها الرمزية الدينية بالرسائل السياسية، وتلتقي فيها قضية فلسطين مع أسئلة أعمق حول السيادة والاستقلال والقدرة على الصمود. وبينما كانت الملايين تسير في الشوارع الإيرانية معلنة تمسكها بقضية القدس، كانت تلك المسيرات في الوقت نفسه تعيد رسم صورة مغايرة لما تحاول بعض الروايات السياسية ترسيخه عن الداخل الإيراني.

وفي الخلاصة، تكشف هذه المشاهد أن كل الرهانات التي بُنيت على تفكيك الداخل الإيراني أو إحداث قطيعة بين الشعب وقيادته قد سقطت أمام واقع الشارع. فعندما تتقاسم الدولة والشعب العقيدة القتالية نفسها، وتصبح القضايا الكبرى جزءاً من الوعي الجمعي لا مجرد شعار سياسي، يتحول المجتمع بأكمله إلى جبهة صمود واحدة. عندها لا تعود الضغوط الخارجية قادرة على كسر الإرادة، لأن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في السلاح أو السياسة، بل في ذلك التلاحم العميق بين الأمة ودولتها، حين يصبح الدفاع عن السيادة والكرامة عقيدة مشتركة يتقاسمها الجميع.

لقد راهنوا على الانقسام، فجاء الرد وحدة؛ وراهنوا على الخوف، فجاء الرد مسيرات مليونية، لأن الشعوب التي تؤمن بقضيتها لا تفرّقها الحروب بل تصهرها أكثر في بوتقة الصمود.