كلّما تأمّلتُ صورةَ الإنسان في العالم المعاصر—إنسانٍ يمتلك من الوسائل ما لم يمتلكه من قبل—لكنّه يبدو أكثر قلقًا واضطرابًا، وأشدَّ فقرًا إلى المعنى، تساءلتُ: أين تعثّر المسار؟
• حداثة وُلدت من صراع:
حين نُعاين تشكّل الرؤية الغربية الحديثة للإنسان، نجد أن ملامحها لم تتكوّن ضمن مسار معرفي محايد، بل جاءت نتيجة صراع تاريخي طويل مع تجربة دينية مخصوصة، اختلط فيها الإيمان بالهيمنة، والكنيسة بالسلطة، والعقيدة بالوصاية على العقل.
لم يكن تمرّد الغرب على المقدّس رفضًا للإيمان من حيث هو حاجة إنسانية، بقدر ما كان بحثًا عن التحرّر من صورة مشوّهة للدين، انتهت – مع الزمن – إلى اتجاه واسع نحو القطيعة مع الغيب.
• الدين حين يفقد وظيفته الحضارية
وقد تنبّه المفكّر مالك بن نبي إلى هذه المفارقة حين أكّد أن الأزمة لم تكن في “الدين” ذاته، بل في تعطّل وظيفته الحضارية. فحين يُعزل الإيمان عن الواقع، ويُفصل عن حركة التاريخ، يفقد قدرته على البناء، ويتحوّل إلى عبء رمزي.
غير أن الغرب، في مساره النقدي، لم يقف عند حدود مراجعة التجربة، بل اتجه في بعض مراحله إلى تقليص حضور الوحي في المجال العام، فبرزت أسئلة روحية لم تفلح التقنية في ملئها.
• العقل بلا ميزان
مع ديكارت، أعلن العقل الغربي استقلاله الواسع، وأُعيد تأسيس المعرفة على الذات المفكّرة بوصفها مرجعًا رئيسيًا. بدا هذا التحوّل، في بدايته، وعدًا بالتحرّر من ربقة الخرافة، فانطلقت الثورة العلمية، وتراجع التفسير الغيبي في المجال المعرفي.
غير أن هذا العقل، وقد غاب عنه أفق أخلاقي متعالٍ في كثير من الأحيان، بدأ يتحوّل تدريجيًا إلى عقل أداتي، يُجيد السيطرة، لكنه يواجه صعوبة في توجيه الغايات.
فالعقل، مهما بلغ، يظل محتاجًا إلى ميزان قيمي وأخلاقي يضبطه.
أزمة الحداثة والروح المفقودة.
والعقل إذا انفصل عن القيم، اختزل الإنسان في بعده الوظيفي. فلم يعد الإنسان يُقاس بما يحمله من معنى، بل بما ينتجه ويستهلكه.
وهكذا وُلد إنسان متقدّم تقنيًا، لكنه قَلِق وجوديًا، قويّ الوسائل، هشّ الغايات.
• الإنسان في الرؤية الإسلامية
في المقابل، يقدّم الإسلام رؤية مغايرة من حيث الجذور والمآلات. فالإنسان في التصوّر الإسلامي ليس سيّدًا متعاليًا، ولا كائنًا تائهًا في كون بلا معنى، بل عبدٌ مكرّم وخليفة مسؤول، كما يقرّر النص القرآني:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
وتأكيد الكرامة هنا ليس تنظيرًا مجردًا، بل أصلًا يؤسّس لعمران بشري أخلاقي متوازن.
• وحي يهدي العقل
ولهذا لم يعرف الإسلام صراعًا جوهريًا بين العقل والوحي، لأن الوحي لم يُقدَّم بوصفه نقيضًا للعقل، بل هداية له.
ويؤكّد هذا المعنى ما ورد في الحديث النبوي:
«إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».
فالغاية ليست إلغاء العقل، بل تزكيته وإرشاده نحو المسلك القويم.
إن جوهر الأزمة في الحداثة الغربية يكمن في فصل الأخلاق عن المعرفة. فحين تُفصل القوّة عن القيم، يتحوّل التقدّم إلى حالة من الاضطراب والضبابية، وتغدو القيمة الأخلاقية شرطًا أساسياً في توجيه الفعل الإنساني.
خاتمة: سؤال المعنى من جديد
من هنا نفهم سرّ التوازن الذي ميّز الحضارة الإسلامية في أوجها.
أما الفكر الغربي الحديث، وقد مضى بعيدًا في منطق الفصل، فقد عاد اليوم – بعد قرون من التقدّم – إلى أسئلته الأولى: المعنى، والغاية، وحدود العقل.
ولعل ما نحتاجه اليوم ليس استيراد منتجات الحضارة فحسب، بل إعادة التفكير في شروطها الروحية والأخلاقية. إنسان يعرف لماذا يعيش، قبل أن يُسأل عمّا يملك.
محمد ضياء رميدة
كاتب وشاعر، مُدوّن مُهتم بالقضايا الفكريّة.