عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم يعد ممكنًا النظر إلى نتنياهو كسياسي عادي، يقود حربًا عادية. فالرجل لا يبرّر جرائمه بلغة الأمن وحدها، بل يستدعي أكثر السرديات التوراتية دموية، ليمنح القتل الجماعي غطاءً دينيًا وأسطوريًا؛ وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فالمجازر لا تُرتكب فقط بالسلاح، بل أيضًا بالأفكار التي تهيّئ لها، وتحوّلها في وعي الجمهور إلى فعل مشروع، بل إلى “واجب” تاريخي.
في هذا السياق، لا يبدو استدعاء نتنياهو المتكرر لقصة العماليق تفصيلًا عابرًا. فالعماليق في الذاكرة التوراتية يمثلون نموذج الإبادة الكاملة: قتلٌ لا يقتصر على المقاتلين، بل يمتد إلى النساء والأطفال وحتى الرضّع. وهذا يكشف أن المسألة ليست دفاعًا عن النفس، بل عقيدة استئصال ترى في الخصم كائنًا يجب محوه لا مواجهته.
وعندما تُستعاد هذه السردية اليوم، في سياق الحروب على غزة ولبنان وإيران، فإننا لا نكون أمام توظيف ديني بريء، بل أمام شرعنة ذهنية للإبادة الحديثة.
أما قصة أستير؛ فهي في القراءة السياسية النقدية، ليست مجرد حكاية نجاة من مؤامرة، بل نموذج آخر أكثر دهاءً: الخديعة التي تنتهي بمذبحة. فهامان لا يُقتل وحده، بل يُقتل أبناؤه العشرة أيضًا، ثم يتسع القتل ليشمل آخرين بالآلاف. هنا لا نتحدث عن عدالة، بل عن انتقام جماعي يتجاوز الفرد إلى ذريته ومحيطه. لذلك فإن الجمع بين العماليق وأستير في العقل الصهيوني المعاصر ليس صدفة: الأول يؤسس لفكرة الإبادة، والثانية تمنحها غطاء الحيلة السياسية والانتصار الدموي.
من هنا نفهم أن نتنياهو لا يستحضر النصوص الدينية بوصفها تراثًا روحيًا، بل بوصفها خزانًا تعبويًا للعنف. إنه ينتقي من التاريخ المقدّس أكثر صفحاته ظلامًا، ثم يعيد صبّها في مشروع استعماري حديث، يرى في القوة العارية أساس البقاء، وفي البطش طريقًا إلى “الأمن”.
وهذه ليست قراءة دينية، بل تسييس عدواني للدين وتحويله إلى أداة لإنتاج الكراهية ونزع إنسانية الخصم.
وفي هذا الإطار تكتسب المقارنة المتداولة والمنسوبة إلى نتنياهو بين السيد المسيح عليه السلام وجنكيز خان خطورتها القصوى. فحتى بصرف النظر عن الصيغة الدقيقة، فإن معناها السياسي واضح: تفضيل منطق البطش على منطق الأخلاق، وتمجيد القوة الغاشمة على حساب الرحمة والقيم.
فالسيد المسيح عليه السلام، في الوجدان المسيحي كما في العقيدة الإسلامية، ليس مجرد رمز ديني، بل عنوان للحق والمحبة والتضحية. وعندما يُزجّ به في مقارنة تمجّد الغزاة وسفّاكي الدماء، فإن ذلك لا يعبّر فقط عن إساءة إلى المسيحية، بل أيضًا عن استخفاف فاضح بالإسلام وبمشاعر مئات الملايين من المؤمنين.
وهنا يظهر جوهر المشروع: سلطة لا تعبأ بدماء الأطفال، لن تعبأ بالمقدسات، ومن اعتاد قصف المساجد والكنائس والمستشفيات لن يتردد في إهانة الرموز الروحية للشعوب. فالمشكلة ليست في زلة لسان، بل في فلسفة كاملة ترى أن الرحمة ضعف، وأن الأخلاق عبء، وأن الشر يمكن أن يكون أداة حكم ناجعة. وهذا هو السقوط الأخلاقي الحقيقي: حين يُقدَّم التوحش بوصفه حكمة، والإبادة بوصفها ضرورة، والإحتلال بوصفه حقًا مقدسًا.
وإن أخطر ما في خطاب نتنياهو، أنه لا يكتفي بتبرير الحرب، بل يعمل على إعادة تعريف الجريمة نفسها. فالمعتدي يصبح ضحية، والجلاد مدافعًا عن النفس، والقتل الجماعي إجراءً مفهومًا في معركة البقاء. وهكذا تتحول النصوص المقدسة من فضاء أخلاقي وروحي إلى مستودع أساطير دموية يُعاد تشغيلها فوق أجساد الأبرياء.
لهذا فإن المواجهة الحقيقية لا تكون فقط بإدانة الغارات والمجازر، بل بكشف البنية الفكرية التي تنتجها: توظيف توراتي إنتقائي، وعقيدة قوة متوحشة، واحتقار صارخ للقيم الإسلامية والمسيحية والإنسانية معًا.
فحين يُستعاد العماليق لتبرير الإبادة، وتُستدعى أستير لتمجيد الخديعة الدموية، ويُهان السيد المسيح عليه السلاَم لصالح فلسفة جنكيز خان، نعرف أننا أمام مشروع لا يريد فقط احتلال الأرض، بل يريد أيضًا قتل المعنى والضمير والأخلاق.
وإنّ غدَّا لناظره قريب
21 آذار/مارس 2026