من الانكشاف إلى المراوغة .. قراءة تكتيكية في قدرات الدفاع الجوي الإيرانية ..
مقالات
من الانكشاف إلى المراوغة .. قراءة تكتيكية في قدرات الدفاع الجوي الإيرانية ..
عباس المعلم
21 آذار 2026 , 23:19 م

بقلم ( عباس المعلم )

هناك تحوّل لافت يتكشّف في بنية منظومة الدفاع الجوي الإيرانية، تحوّل لا يمكن قراءته كحدثٍ تكتيكي عابر، بل كإشارة على إعادة توليد القدرة تحت ضغط النيران.

في الأسابيع الأولى من الحرب، دفعت طهران بطيفٍ متنوع من وسائط الدفاع الجوي منظومات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، ثابتة ومتحركة في محاولة لامتصاص الصدمة الأولى. وقد تعرّض جزءٌ معتبر من هذه الشبكة لعمليات قمع الدفاعات الجوية المعادية وتدمير الدفاعات الجوية المعادية، استهدفت الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة، ما أحدث فجوات في التغطية وفرض تراجعاً نسبياً في الكفاءة. ومع ذلك، نجحت الوحدات المتبقية، عبر العمل بنمطٍ لامركزي وإعادة التموضع السريع وفق تكتيك الإطلاق والمناورة/الانسحاب السريع، في إسقاط ما يقارب 120 طائرة مسيّرة أميركية وإسرائيلية متطورة وإن بنسبة اعتراض متواضعة قياساً بحجم الإغراق الجوي وكثافة الهجمات.

غير أن الأيام الأخيرة شهدت قفزة نوعية بالغة الدلالة. فقد سُجِّلت إصابات مباشرة لثلاث مقاتلات تُعد من ركائز الأجيال المتقدمة في الترسانة الأميركية والإسرائيلية، في مؤشر على استعادة جزئية لطبقات الكشف والتعقب والاشتباك. الأهم من ذلك، ما يُنقل من مصادر "العدو " حول تعرّض الطائرات الحربية فوق الأجواء الإيرانية لإطباق راداري كثيف وغير متوقّع، بما يوحي بعودة فعّالة لمنظومة الإنذار المبكر واندماج أفضل لعملية دمج بيانات المستشعرات ضمن شبكة قيادة وسيطرة مُحسّنة.

تفسير هذا التحول يرجّح عدة عوامل عملياتية متداخلة ؟

إعادة هيكلة الشبكة الدفاعية وفق مبدأ “الدفاع الموزّع”، مع تقليل الاعتماد على العقد المركزية القابلة للاستهداف.

تشغيل رادارات احتياطية تعمل بخصائص منخفضة الاحتمال للاعتراض أو الكشف، وتفعيل مستشعرات سلبية قادرة على التقاط البصمة الكهرومغناطيسية دون بثّ مكشوف.

تكامل أفضل بين وحدات الحرب الإلكترونية ومنظومات الصواريخ أرض–جو، بما يتيح اعتماد إجراءات مضادة مضادّة للحرب الإلكترونية لمواجهة التشويش واستعادة الفعالية.

استخدام تكتيكات الاشتباك المتأخر لتأخير قرار الإطلاق حتى اللحظة المناسبة، ما يقلّص فرص كشف المنظومات أو استهدافها مسبقاً، مع توسيع مظلة الارتفاعات والقطاعات المغطّاة.

هذه المؤشرات تتعارض بوضوح مع السردية التي روّج لها كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حول “تحييد” أو “تدمير” منظومات الدفاع الجوي الإيرانية بشكل شبه كامل. ما يظهر ميدانياً أقرب إلى حالة تآكل في القدرات يتبعه تعافٍ تكيفي، حيث تُستعاد الفاعلية عبر التعلّم السريع وإعادة توزيع القدرات.

خلاصة المشهد: لسنا أمام تفوّق جوي محسوم، بل بيئة اشتباك ديناميكية تُعاد فيها كتابة قواعد البقاء في السماء. الدفاع الجوي الإيراني رغم الضربات يبدو أنه انتقل من وضعية الانكشاف إلى نمط مراوغة ذكية، يعيد فرض كلفة أعلى على أي اختراق، ويُربك حسابات التفوّق التقليدي.

عباس المعلم - كاتب سياسي