توجّه السلطة في لبنان اتهامات إلى الحزب بالاصطفاف إلى جانب إيران، في حين تغضّ الطرف عن واقع الاحتلال والاعتداءات اليومية التي امتدّت خمسة عشر شهرًا قبل اندلاع هذه الحرب. وتتجاهل كذلك حصيلةً دامية تجاوزت خمسمئة شهيد لبناني، ومئات الجرحى، إلى جانب آلاف الوحدات السكنية التي دُمّرت أو تضرّرت عقب اتفاق السابع والعشرين من نوفمبر 2024.
حسنًا، إن اختارت ألّا ترى ذلك، فليكن. لكن ما يثير التساؤل هو: بأي منطق تمضي هذه السلطة نفسها في مسار يُقارب الإسناد المباشر لإسرائيل والولايات المتحدة، بدل التزام موقع الحياد المفترض؟ إذ لم تكتفِ بالتخلّي عن التوازن، بل انخرطت فعليًا—سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا وتقنيًا ودبلوماسيًا في منظومة توجيهات تصدر عن القيادة المركزية الأميركية في المنطقة، بما يتقاطع، صراحةً أو ضمنًا، مع متطلبات إسرائيل.
وقد تجلّى هذا الانخراط عبر آليات عمل أخذت، تدريجيًا، طابعًا مؤسسيًا يُحاكي دور “القائم بالأعمال” أو ما يشبه الملحق العسكري والأمني غير المعلن لإسرائيل داخل لبنان، سواء من خلال التنسيق الميداني، أو تبادل المعطيات، أو مواءمة السياسات والإجراءات من خلال ( الميكانيزم) التي تديرها امريكا وتحولت فعليا إلى سفارة اسرائيلية مكتملة الأركان في لبنان ،بما يخدم أجندات خارجية على حساب السيادة الوطنية.
وفي المحصلة، يطرح هذا النهج إشكالية عميقة تتعلّق بازدواجية المعايير، وتآكل مفهوم السيادة، وانحراف بوصلة القرار الرسمي عن مقتضيات المصلحة الوطنية، في لحظة دقيقة تتطلّب أعلى درجات الاستقلالية والاتزان.
عباس المعلم - كاتب سياسي
مقال رقم ٢
الحقيقة كما هي: عون وسلام ينفّذان أوامر إسرائيلية صِرفة …
فجر 2 آذار، لم يتلقَّ نواف سلام “نصيحة” ولا “موقفاً دبلوماسياً”، بل أوامر إسرائيلية صريحة نُقلت إليه عبر السفير الأميركي في بيروت: قرار فوري، خلال ساعات، يضع المقاومة في لبنان وليس حزب الله فقط في خانة “الخارجين عن القانون”، ويُطلق ملاحقة لكل من يحمل السلاح في مواجهة إسرائيل.
سلام لم يتردد لحظة، بل بدا أكثر حماسة من مُصدِري الأمر أنفسهم. سارع إلى إبلاغ جوزيف عون، الذي وافق من حيث المبدأ لكنه حاول، ولو شكلياً، ضبط الإيقاع: الحفاظ على السلم الأهلي، مراعاة حساسية الداخل، صياغة قرار لا يفجّر البلد. لكن سلام قطع الطريق على أي تلطيف أو مواربة، وأصرّ: القرار يجب أن يخرج كما وصل، حرفياً، عبر القناة الأميركية، وإلا فالعواقب ستقع مباشرة على الدولة اللبنانية.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر قابلاً للتأويل. ما يجري هو تنفيذ يومي، منهجي، بلا تردد ولا تأجيل، لإملاءات إسرائيلية صِرفة. من قرارات الترحيل التي طالت إيرانيين، إلى خطوة وزارة الخارجية بطلب مغادرة السفير الإيراني بيروت وهي خطوة سارعت الحكومة الإسرائيلية إلى الترحيب بها ووصفتها بـ“الإيجابية”. وكل ذلك ليس سوى بداية، إذ إن قائمة “المطلوب” أطول، والتنفيذ مستمر.
الخلاصة الفجّة التي لا يمكن تجميلها: السلطة في لبنان لا تكتفي بتنفيذ الأوامر، بل تتفانى في المزايدة عليها، وتُظهر اندفاعاً يتجاوز حتى سقف من أصدرها. ما يجري ليس سياسة، بل انخراط مباشر في أجندة مفروضة، بلا سيادة، بلا توازن، وبلا أي محاولة حقيقية لإخفاء ذلك.
عباس المعلم - كاتب سياسي