في المواجهات الكبرى، لا تتحرك الدول بدافع الصداقة أو العداء، بل بدافع الخوف من نتائج الحرب. لذلك، فإن فهم سبب وقوف دول مثل مصر وباكستان وتركيا إلى جانب إيران ولو سياسياً في الحرب الإسرائيلية الأمريكية، على إيران لا يتعلق بإيران نفسها بقدر ما يتعلق بشكل المنطقة بعد الحرب، وبالسؤال الأخطر من سيحكم الشرق الأوسط إذا سقطت إيران؟
التصريحات التي أطلقها بنيامين نتنياهو التي توعد بهزيمة “المحور الشيعي” الجريح أولاً ثم قال إن الدور سيأتي لاحقاً على “المحور السني الذي يتشكل” لم تُقرأ في المنطقة كتصريح إعلامي فقط، بل كإعلان عن رؤية استراتيجية تقوم على تفكيك كل القوى الإقليمية، واحدة تلو الأخرى، حتى لا يبقى في المنطقة سوى قوة واحدة مهيمنة. هذا التصور، سواء اتفق معه البعض أو اختلف، خلق قناعة لدى كثير من الدول بأن المسألة لم تعد صراعاً مع إيران فقط، بل صراع على هوية المنطقة وتوازنها في المستقبل .
مصر تدرك أن سقوط إيران لن يكون حدثاً عادياً، بل زلزالاً سياسياً يغيّر توازنات المنطقة كلها. فاختفاء قوة إقليمية بحجم إيران من معادلة الصراع يعني عملياً ظهور قوة واحدة مهيمنة بلا منافس، وهذا ما لا يمكن لدولة بحجم مصر أن تقبل به، لأن من يملك الهيمنة يملك القرار السياسي والاقتصادي، ويملك التأثير في ملفات الطاقة والممرات البحرية، ويملك القدرة على فرض الوقائع في قضايا كبرى مثل فلسطين وشرق المتوسط. لذلك، فالموقف المصري لا يمكن فهمه على أنه دفاع عن إيران، بل دفاع عن مبدأ التوازن، لأن اختفاء التوازن يعني دخول المنطقة في مرحلة الهيمنة.
تركيا تنظر إلى المسألة من زاوية أخرى، لكنها تصل إلى النتيجة نفسها. فأنقرة التي تنافس طهران على النفوذ في أكثر من منطقة، تدرك أن سقوط إيران لن يفتح الباب أمام النفوذ التركي كما يعتقد البعض، بل قد يفتح الباب أمام نظام إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل القوة الأولى بلا منازع، وهذا يتعارض مع المشروع التركي القائم على أن تكون تركيا مركز التوازن بين الشرق والغرب، وبين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. كما أن تركيا تخشى من سيناريو أخطر، وهو أن يؤدي إضعاف إيران أو تفككها إلى انفجار المسألة الكردية في المنطقة، لأن الأكراد موجودون في إيران وتركيا والعراق وسوريا، وأي انهيار في إحدى هذه الدول قد يشعل سلسلة من التفاعلات التي لا يمكن السيطرة عليها.
أما باكستان، فهي تنظر إلى المشهد من زاوية الأمن الاستراتيجي البعيد. فهي دولة نووية، وتفهم أن إسقاط دولة كبيرة في المنطقة لا يمر دون أن تتغير العقيدة الاستراتيجية للدول الكبرى. في علم الاستراتيجية، عندما يتم إسقاط قوة إقليمية كبيرة، تنتقل الضغوط تلقائياً إلى القوة التالية في ميزان القوى. وباكستان تعرف أنها بعد إيران ستكون الدولة الإسلامية الكبرى الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً، وهذا وحده كافٍ ليفسر سبب وقوفها إلى جانب إيران سياسياً، لأن إسلام آباد لا ترى المعركة على أنها معركة إيران وحدها، بل معركة تتعلق بتوازن القوى في آسيا والشرق الأوسط معاً.
لكن ما لا يقل أهمية عن مواقف الدول هو موقف الشعوب. فبعد ما حدث في غزة، وبعد سنوات من الحروب والدمار والصور القاسية التي شاهدتها الشعوب العربية والإسلامية، تشكل وعي شعبي جديد يرى الصراع مع إسرائيل صراعاً وجودياً وليس مجرد صراع سياسي. لذلك، فإن جزءاً كبيراً من التعاطف الشعبي مع إيران في هذه الحرب لا يعود إلى اتفاق سياسي معها، بل إلى تراكم المآسي التي شاهدتها الشعوب في غزة والمنطقة ، والتي خلقت حالة غضب كبيرة جعلت أي مواجهة مع إسرائيل تُقرأ على أنها مواجهة باسم هذه الشعوب، حتى لو كانت تقودها دولة تختلف معها هذه الشعوب في السياسة أو المذهب.
ومع ذلك، فإن العامل الأخطر في هذه الحرب ليس من سينتصر فيها، بل ماذا سيحدث إذا انهارت دولة كبيرة في المنطقة. فالدول الكبرى لا تخاف فقط من الهزيمة، بل تخاف من الفوضى. وإسقاط دولة بحجم إيران لا يعني نهاية الحرب، بل قد يعني بداية فوضى إقليمية تمتد من الخليج إلى بحر العرب إلى آسيا الوسطى، وتفتح الباب أمام إعادة رسم النفوذ والحدود وموازين القوى. وهذه الفوضى لا تهدد إيران وحدها، بل تهدد مصر وتركيا وباكستان، وتهدد استقرار المنطقة كلها، لأن الفوضى عندما تبدأ في منطقة مليئة بالأعراق والطوائف والنزاعات، فإنها لا تتوقف عند حدود دولة واحدة.
لذلك يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس اصطفافاً مع إيران فقط بقدر ما هو اصطفاف لمنع انهيار التوازن، ومنع الفوضى، ومنع ولادة نظام إقليمي تسيطر عليه قوة واحدة فقط. فالدول قد تختلف، وقد تتصارع، لكنها في النهاية تتفق على قاعدة واحدة في علم السياسة التوازن يمكن التعايش معه، أما الهيمنة فلا يمكن التعايش معها. ومن هنا نفهم أن هذه الحرب، في حقيقتها، ليست حرب على النظام في إيران فقط، بل حرب على شكل الشرق الأوسط في العقود القادمة هل سيكون شرق أوسط متعدد القوى، أم شرق أوسط تحكمه قوة واحدة؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي يحدد مواقف الدول اليوم، وهو نفسه الذي سيحدد شكل المنطقة بعد أن تنتهي الحرب .