* البشير عبيد
لقد باتت المواجهة في الشرق الأوسط اليوم أكثر وضوحًا في ملامحها الاستراتيجية، إذ تصاعد الصراع بين إيران من جهة، والكيان الصهيوني المدعوم إمبرياليًا من جهة أخرى، يجسد حقيقة مركزية مفادها أن الهيمنة المطلقة على المنطقة لم تعد أمراً مفروغًا منه. التجربة الأخيرة أظهرت أن أي قوة، مهما بلغت إمكاناتها العسكرية أو نفوذها الدولي، قد تواجه قيودًا فعلية إذا اصطدمت بإرادة مقاومة عميقة ومنهجية. إيران، في هذا الإطار، لم تعد مجرد لاعب إقليمي، بل أصبحت نموذجًا لمقاومة متماسكة ضد الهيمنة الأمريكية، وكسر شوكة الكيان الصهيوني الغاصب، الذي طالما اعتاد على فرض إرادته بلا منازع.
من الهيمنة إلى المقاومة: إيران وإعادة رسم قواعد الردع
تاريخيًا، حاولت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الهيمنة على المنطقة عبر مجموعة من الوسائل المباشرة وغير المباشرة، بدءًا من دعم حروب الاستنزاف، إلى بناء تحالفات اقتصادية وسياسية تضمن التفوق العسكري والسياسي على خصومهما. لكن إيران، على مدى عقود، استطاعت بناء شبكة من القدرات العسكرية والصاروخية والاستراتيجية، لم تقتصر على الدفاع عن نفسها فحسب، بل امتدت لتكون قوة ردع قادرة على مواجهة أي اعتداء أو محاولة للهيمنة على القرار الإقليمي.
وقد كشفت المواجهات الأخيرة عن قدرة إيران على نقل المعركة من حدودها إلى عمق الأهداف الاستراتيجية للكيان الصهيوني، وهو ما أربك الخطط العسكرية الإسرائيلية، وأجبر المؤسسة السياسية على إعادة النظر في افتراضاتها السابقة حول ما يسمى بـ "جيش لا يقهر". فإيران لم تقتصر على الرد التقليدي، بل عملت على كسر الوهم الاستراتيجي الذي بني حول التفوق العسكري الإسرائيلي، وفرضت على تل أبيب وواشنطن حسابات جديدة قبل أي تحرك.
إن استراتيجية إيران تقوم على مزيج من الردع العسكري والتأثير النفسي والسياسي، وهو ما يظهر جليًا في استهداف نقاط حساسة ومراكز قوة رمزية لتذكير العدو بأنه ليس في مأمن من أي تصعيد. هذه القدرة على المناورة الاستراتيجية والسياسية تجعل من إيران قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، وتضعف من مفهوم التفوق الإسرائيلي-الأمريكي المطلق.
كسر شوكة الكيان الصهيوني: التحديات الداخلية والخارجية
الكيان الصهيوني، منذ نشأته، اعتمد على قوة عسكرية تقرر الحسم السريع في أي مواجهة. لكن تصاعد الرد الإيراني كشف عن أوجه قصور حقيقية في الاستراتيجية الإسرائيلية، لا تقتصر على القدرات الميدانية فحسب، بل تمتد إلى التأثير النفسي على الجبهة الداخلية. فقد أصبح المواطن الإسرائيلي يعيش حالة ضغط مستمر، مع تحذيرات دائمة، وإنذارات متكررة، وتجربة ملموسة بأن أي صراع قد يطال المنشآت الحيوية والبنية التحتية.
هذا الواقع، الذي انعكس على الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي، أظهر أن فرض الهيمنة بالقوة وحدها لم يعد ممكنًا، وأن أي محاولة لتجاهل الردع الإيراني قد تؤدي إلى نتائج كارثية على المستويين الداخلي والخارجي. في الوقت نفسه، فإن إيران، عبر بناء تحالفات إقليمية ودعم شبكات المقاومة في محيط الكيان الصهيوني، تعمل على ضمان استمرار الضغط، وتحويل المواجهة إلى اختبار طويل الأمد، مما يضعف أي شعور بالقدرة المطلقة لدى إسرائيل.
كما أن الاستراتيجية الإيرانية لم تقتصر على الرد المباشر، بل شملت استغلال أوجه الضعف داخل التحالفات الأمريكية-الإسرائيلية، وإظهار محدودية القدرة على الحسم العسكري السريع، وهو ما يعيد طرح السؤال حول جدوى الاعتماد على التفوق التكنولوجي وحده في مواجهة مقاومة متماسكة، مسلحة بطموح سياسي وإرادة استراتيجية واضحة.
شرق أوسط بلا يقين: إعادة تشكيل التوازنات
ما يظهر من هذه المواجهة ليس مجرد رد فعل عسكري، بل مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، حيث لم يعد بالإمكان الحديث عن طرف قادر على فرض إرادته دون حساب تكلفة فعلية أو تبعات استراتيجية. التوازنات القديمة، التي بنيت على التفوق الأمريكي والإسرائيلي، لم تعد قابلة للتطبيق بنفس القوة، والمواجهات الحالية بين إيران والكيان الصهيوني المدعوم أمريكيًا تمثل اختبارًا حقيقيًا لحدود القوة والهيمنة.
، تبدو المواجهة الحالية أكثر من مجرد حرب عسكرية محدودة ٫ فهي اختبار متكامل لمعادلات الردع، والصبر الاستراتيجي، والقدرة على التكيف مع التحولات الميدانية والسياسية. فإيران استطاعت أن تجعل من قدرتها على الصمود ومواجهة التحديات أسلوبًا فعالاً لكسر شوكة الكيان الصهيوني، وفرض حضور قوي في قلب الحسابات الإقليمية، بينما تجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على إعادة النظر في طبيعة التحكم في المنطقة.
إن هذه المرحلة تكشف أن الشرق الأوسط أمام زمن جديد، زمن لا يقوم على التفوق العسكري المطلق، بل على القدرة على موازنة القوة، واستثمار عوامل النفوذ السياسي والإقليمي، والتحكم في التحولات الاستراتيجية، وهو ما قد يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة خلال السنوات القادمة، ويؤكد أن مقاومة الهيمنة الإمبريالية ليست مجرد شعار، بل واقع ملموس على الأرض، يشكّل اختبارًا حقيقيًا لأي قوة تسعى للهيمنة بلا حسابات دقيقة.
* كاتب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.