11 سنة على العدوان على اليمن؛ باب المندب في صلب معادلة الأمن الإسرائيلية
مقالات
11 سنة على العدوان على اليمن؛ باب المندب في صلب معادلة الأمن الإسرائيلية
عدنان علامه
26 آذار 2026 , 12:09 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

مع دخول العدوان على اليمن عامه الثاني عشر، لم يعد ممكنًا تسويق هذه الحرب بوصفها دعمًا لـ"الشرعية"، ولا حتى كصراع داخلي على السلطة.

فالوقائع المتراكمة منذ 25 مارس 2015 تكشف بوضوح أن ما جرى هو مشروع جيوسياسي متكامل، يتجاوز اليمن وحده، ويضع باب المندب في صلب معادلة الأمن الإسرائيلي، مع توزيع أدوار إقليمي دقيق، قادته السعودية والإمارات تحت مظلة عربية ودولية.

البداية كانت بذريعة "إعادة الشرعية" للرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي جاء أساسًا بتوافق سياسي مؤقت لمدة سنتين انتهت ولايته قبل اندلاع الحرب.

ومع ذلك، تحوّلت هذه الذريعة َ الهشة، إلى منصة لإطلاق واحدة من أعنف الحروب في المنطقة، دون أي مسار جدي لإعادة بناء الدولة أو إعادة التوازن السياسي.

فما جرى فعليًا هو تفكيك اليمن، لا إنقاذه.

في المرحلة الثانية، تبلور توزيع الأدوار بشكل واضح: السعودية أحكمت قبضتها على الحدود والمناطق البرية، بينما ركزت الإمارات على السيطرة على السواحل والموانئ والجزر الاستراتيجية. هذا التقسيم لم يكن عسكريًا فقط، بل جيوسياسيًا يخدم هدفًا محددًا: الإمساك بخطوط الملاحة البحرية من بحر العرب حتى البحر الأحمر، وربطها بمنظومة أمن إقليمي تتقاطع مع المصالح الإسرائيلية.

فمعركة الحديدة عام 2018 كانت نقطة التحول الكبرى. فالميناء يمثل شريان الحياة لليمن، والسيطرة عليه تعني التحكم بإمدادات الغذاء والدواء لملايين المدنيين. لكن فشل التحالف في حسم المعركة عسكريًا أدى إلى تدخل مجلس الأمن وفرض "اتفاق السويد"، الذي جمّد الجبهة دون حل جذري.

هنا، لم يكن الهدف إنهاء الحرب، بل إدارة التوازن ومنع سقوط الميناء بيد طرف يرفض الاندماج في المشروع الإقليمي.

وبالتوازي، جرت تحركات استراتيجية بعيدة عن الأضواء، أبرزها نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية. وهذا التحول أعاد رسم خريطة الملاحة في مدخل خليج العقبة، وحوّل الممر إلى مياه دولية بتسهيلات أكبر لحركة السفن، بما فيها المرتبطة بإسرائيل، في سياق إعادة هندسة الممرات البحرية من باب المندب حتى البحر الأحمر.

وأما في الجنوب، فقد تحولت جزيرة سقطرى من محمية طبيعية إلى نقطة نفوذ إماراتي متقدم، بدأ بغطاء إنساني بعد إعصاري 2015، وتطور إلى حضور عسكري وسيطرة على المرافق الحيوية، وصولًا إلى دعم قوى محلية فرضت واقعًا سياسيًا جديدًا منذ 2020. وينطبق الأمر ذاته على جزيرة ميون في قلب باب المندب، التي تمثل عقدة التحكم الفعلية بالمضيق، حيث تشير المعطيات إلى استخدامها كقاعدة عسكرية متقدمة لمراقبة وتأمين الملاحة.

هذه الوقائع مجتمعة تعيد تعريف العدوان على اليمن: ليست حربًا لاستعادة دولة، بل لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بما يضمن أمن الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها باب المندب، الذي يشكل شريانًا استراتيجيًا للتجارة العالمية ولإسرائيل تحديدًا.

َوالأخطر أن هذا المشروع نُفذ تحت غطاء عربي، فيما وثّقت الأمم المتحدة إدراج دول التحالف على "اللائحة السوداء" بسبب الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين والأطفال.

ورغم ذلك، استمرت الحرب، واستمر الحصار، واستمر الصمت الدولي، في مشهد يكشف ازدواجية المعايير حين تتقاطع المصالح الكبرى مع حقوق الشعوب.

بعد 11 عامًا، لم تعد الحقيقة قابلة للإخفاء: اليمن عوقب لأنه رفض الإنخراط في منظومة إقليمية تُدار وفق أولويات إسرائيلية.

وما يُطرح اليوم من عناوين "أمن الملاحة" ليس إلا الوجه المُعلن لمشروع بدء العدوان، ولا يزال مستمرًا بأدوات مختلفة.

اليمن اليوم ليس فقط ضحية عدوان، بل شاهد حي على إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة… بالقوة.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

26 آذار/مارس 2026