لبنان بين الشرط الإيراني والعقدة الإسرائيلية ..مفاوضات على حافة الانفجار والانفراج ؟!
مقالات
لبنان بين الشرط الإيراني والعقدة الإسرائيلية ..مفاوضات على حافة الانفجار والانفراج ؟!
عباس المعلم
27 آذار 2026 , 06:44 ص

بقلم ( عباس المعلم )

خلافًا للمنحى الاستعراضي الذي يعتمده دونالد ترامب في تقديم نفسه بوصفه المنتصر، وهو سلوك يعكس قدرًا من الاضطراب في مقاربته السياسية ويشي بنزعة “سيكو-درامية” تطغى على إدارة قراراته في المستويات العسكرية والاقتصادية والتوسعية، يبرز في المقابل ثابتٌ أكثر عمقًا وواقعية: انخراط واشنطن في مسار تفاوضي غير مباشر مع طهران، يهدف في جوهره إلى احتواء الحرب والسعي إلى إنهائها، بعد تعثر تحقيق الأهداف المعلنة التي وُضعت في الأيام الأولى للاشتباك.

وفي هذا السياق، تتكثف قنوات الاتصال عبر وسطاء إقليميين، وتتقاطع عروض وشروط متبادلة تعكس انتقال الصراع من طور الحسم الميداني إلى مرحلة إدارة التوازنات والتقاطعات السياسية. غير أن هذا الحراك، على زخمه، لا يرقى بعد إلى مستوى مؤشر حاسم على قرب التوصل إلى اتفاق وشيك، كما لا يسمح بالجزم بإطالة أمد الحرب إلى ما يتجاوز سقوفًا زمنية محدودة، في ظل تداعياتها الثقيلة على بنية الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، واحتمال انفلاتها في أي لحظة من حدودها الحالية نحو مساحات أكثر اتساعًا وخطورة.

تتوزع بنود التفاوض بين طهران وواشنطن ضمن سلة معقدة من الملفات، تتابعها إسرائيل عن كثب، بل وتسعى إلى توظيف مسار التصعيد كأداة ضغط لفرض شروط أكثر ملاءمة لمصالحها الاستراتيجية، بما يحقق الحد الأقصى من المكاسب لها ولحليفتها الأمريكية، مقابل تقليص هامش المناورة الإيراني إلى أدنى حد ممكن.

ويبرز في هذا الإطار بندٌ بالغ الحساسية يتعلق بلبنان، حيث أعلنت طهران رسميًا، على لسان وزير خارجيتها عباس عراقتجي، أن أي اتفاق محتمل يجب أن يتضمن وقفًا نهائيًا للحرب على لبنان، وإنهاءً للاحتلال الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات المستمرة، بوصف ذلك جزءًا لا يتجزأ من أي تسوية شاملة.

في المقابل، تُبدي كل من إسرائيل والولايات المتحدة رفضًا واضحًا لهذا الطرح، يصل حد الامتناع عن إدراجه أصلًا على طاولة النقاش، لا سيما في ضوء مقاربة بنيامين نتنياهو الذي يسعى إلى فك الاشتباك بين مساري المواجهة: الإيراني من جهة، وجبهة الحزب في لبنان من جهة أخرى، بما يتيح له مواصلة عملياته العسكرية بوتيرة أشد اتساعًا وعنفًا، حتى في حال التوصل إلى تفاهم مع طهران.

ويغدو هذا البند، تبعًا لذلك، الأكثر تعقيدًا ضمن شبكة التفاوض، في ظل تقاطع ثلاثة مستويات من الرفض: إسرائيلي–أمريكي حاد، وتباين داخلي لبناني لا يقل حدة، حيث ترفض بعض القوى أي تسوية تأتي عبر البوابة الإيرانية، بل يذهب بعضها إلى حد تفضيل استمرار الحرب بهدف إنهاك الحزب وتفكيك بنيته عسكريًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

من هنا، يتبدى السؤال الجوهري: هل سيشكّل الإصرار الإيراني على إدراج لبنان في صلب التسوية عامل تعطيل رئيسي يقود إلى إفشال أي اتفاق محتمل، وبالتالي إلى تمديد أمد الحرب وتصعيدها؟ أم أن هندسة سياسية مبتكرة قد تتيح إنتاج مخرج يحقق وقفًا للعمليات في لبنان دون أن يظهر ذلك كاستجابة مباشرة لشروط طهران؟

حتى اللحظة، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة، وإن بدرجات متفاوتة من الاحتمال، لا سيما في ظل استمرار الحزب في إظهار مستوى تصعيدي لافت، يرفع منسوب المواجهة يوميًا ويعقّد حسابات الخصوم. في المقابل، تعمل إسرائيل على تثبيت وقائع ميدانية جديدة، عبر تعميق توغلها في جنوب لبنان لمسافة تقارب ثمانية كيلومترات على امتداد القطاعات الثلاثة، الشرقي والأوسط والغربي، بهدف تحويل هذا الحضور إلى ورقة ضغط تفاوضية مباشرة في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.

وتسعى تل أبيب إلى توظيف هذه الورقة لفرض حزمة شروط على الدولة اللبنانية، تتدرج من الدفع نحو مفاوضات مباشرة، إلى مسارات تطبيع محتملة، وصولًا إلى استهداف بنية الحزب على مختلف المستويات داخل الأراضي اللبنانية. وفي حال لم تحقق الحكومة اللبنانية ذلك، فإن إسرائيل قد تعمد إلى تكريس ما تسميه “حرية الحركة والعمل” داخل لبنان بصيغة أكثر اتساعًا وحدّة مما شهدته الأشهر الخمسة عشر الماضية.

في الخلاصة، لا تبدو هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بقدر ما هي اختبار مركّب لإعادة رسم توازنات الإقليم، حيث تتقاطع الإرادات الدولية مع الحسابات المحلية، ويتحوّل كل بند تفاوضي إلى ساحة صراع بحد ذاته. وبين تصلب الشروط وتعدد مسارات الضغط، يبقى مصير لبنان معلقًا على قدرة الأطراف على إنتاج تسوية لا تكرّس الهشاشة، ولا تؤسس لجولات أعنف في المستقبل، بل تفتح – إن أمكن – نافذة ضيقة نحو استقرار مشروط بتوازنات دقيقة لا تزال قيد التشكل.

عباس المعلم - كاتب سياسي