الإنذار الأخير: قراءة في خطاب الردع الأمريكي وحدوده المتآكلة
مقالات
الإنذار الأخير: قراءة في خطاب الردع الأمريكي وحدوده المتآكلة
د. هناء سعادة
27 آذار 2026 , 06:54 ص

بقلم: د. هناء سعادة

في لحظات التحول الكبرى في مسار الصراعات، لا تُقاس قوة الدول بما تعلنه من تهديدات، بل بما تضطر إلى الإفصاح عنه من حدود. ومن هذا المنظور، يبدو ما صدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من “إنذار أخير” لإيران، محدد بسقف زمني لا يتجاوز 48 ساعة، أقرب إلى كونه تعبيرًا عن مأزق استراتيجي منه إلى كونه استعراضًا للقوة. فالتاريخ العسكري يُظهر بوضوح أن القوى الواثقة من قدرتها على الحسم لا تُنذر، بل تُبادر؛ أما حين يصبح التهديد بديلاً عن الفعل، فإن ذلك يكشف، في عمقه، عن اختلال في ميزان الخيارات.

لقد انتقل الخطاب الأمريكي، خلال أقل من ثلاثة أسابيع، من وعد بالحسم خلال 72 ساعة إلى خطاب مهلة ضيق لا يتجاوز 48 ساعة، وهو تحول يعكس فجوة حادة بين التقدير الأولي والواقع العملياتي. هذا الانزياح من لغة الانتصار السريع إلى لغة التهديد المشروط ليس مجرد تبدل بلاغي، بل مؤشر بنيوي على تعثر الاستراتيجية وفشلها في تحقيق أهدافها، وعلى رأسها فرض السيطرة الكاملة أو إحداث اختراق حاسم في بنية الخصم.

في هذا السياق، يكتسب التهديد باستهداف البنية الطاقوية الإيرانية دلالة مزدوجة: فهو محاولة لاستعادة زمام المبادرة، لكنه في جوهره يعكس إدراكًا عميقًا بخطورة المآلات، فاستهداف هذا القطاع لا يعني شلّ إيران بقدر ما يعني إدخال المنطقة في معادلة تصعيد شامل، تبدأ بتعطيل إمدادات الطاقة ولا تنتهي عند حدود الجغرافيا الإقليمية.

وتتضاعف خطورة هذا السيناريو عند استحضار الموقع الحاسم لـمضيق هرمز، الذي تمر عبره يوميًا ما بين 17 و20 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي، فضلًا عن تدفقات الغاز الطبيعي المسال. ومنه، أي اضطراب في هذا المضيق، مهما كان محدودًا، قادر على دفع أسعار النفط من 115 دولارًا إلى أكثر من 200، وربما 300 دولار للبرميل، مع تداعيات فورية على الاقتصاد العالمي وأوروبا وآسيا وأمريكا نفسها.

هنا يظهر ضعف الغواصة البريطانية النووية، التي رست في بحر العرب كرمز للتهديد، لكنها عمليًا ليست رادعًا. فالإمكانات الإيرانية الميدانية—زوارق عالية السرعة، وغواصات صغيرة شبه مستحيلة الرصد، وصواريخ بحرية دقيقة مثل نور وقادر، وطوربيدات فجر—تضع أي هدف في نطاق الاستهداف الفوري. وقد أظهرت إيران سابقًا قدرتها على إغراق 16 ناقلة وفرض انسحاب ناقلة عملاقة وزنها 160 ألف طن بمجرد اقتراب زوارقها، ما يجعل الغواصة مجرد ورقة مهددة على الورق، لكنها عمليًا عرضة للهجوم المباشر أو المراقبة الدقيقة.

ومن هنا، فإن جوهر المأزق لا يكمن في القدرة على الضرب، بل في كلفة ما بعد الضربة. فالمعادلات الاستراتيجية تشير إلى أن أي استهداف واسع لمنشآت الطاقة الإيرانية سيقابله رد متعدد المستويات، يبدأ خلال ساعات ويستهدف بنية الطاقة الإقليمية بأكملها، من منشآت التكرير في الخليج إلى حقول الغاز في شرق المتوسط، بما فيها المراكز الحيوية التي تغذي الأسواق العالمية. وهو ما يعني انتقال الأزمة من نزاع محدود إلى انهيار متسلسل في منظومة الطاقة الدولية، بينما الغواصة البريطانية تبقى في موقع ضعيف أمام هذا الرد الإيراني الدقيق والمدروس.

في المقابل، برزت إيران بوصفها فاعلًا استطاع ليس فقط امتصاص الصدمة، بل إعادة تشكيل قواعد الاشتباك عبر قدرة عملياتية لافتة، تجمع بين الدقة في الاستهداف والقدرة على إدارة التصعيد. فقد أثبتت امتلاكها منظومات صاروخية متقدمة قادرة على حمل رؤوس تدميرية تصل إلى نحو 1000 كغ، مع قدرة على إصابة أهداف بعيدة بدقة عالية، إلى جانب بنية بحرية غير تقليدية، ما يمنحها أفضلية تكتيكية في بيئة الخليج وبحر العرب.

وتحديد مهلة 48 ساعة، في ظل هذه المعطيات، لا يعكس ثقة بقدر ما يعكس ضغطًا متزايدًا على صانع القرار الأمريكي، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد هشاشة الأسواق، ورفض عدد من الحلفاء الانخراط في مسار تصعيدي مفتوح. وعليه، فإن هذه المهلة تبدو أقرب إلى نافذة اضطرارية لمحاولة احتواء الانزلاق، لا إلى إنذار حاسم لتغيير سلوك الخصم.

في ضوء ذلك، يتضح أن المشهد الدولي يقف أمام لحظة انكشاف استراتيجي، تتراجع فيها سرديات التفوق المطلق لصالح واقع أكثر تعقيدًا، تُقاس فيه القوة بقدرتها على تجنب الانهيار بقدر ما تُقاس بقدرتها على تحقيق النصر. فحين تتحول التهديدات إلى مؤشرات على القلق، وتصبح الأرقام—من أسعار النفط إلى كلفة الطاقة—جزءًا من معادلة الردع، والغواصة مجرد رمز هش، فإننا نكون أمام تحول عميق في طبيعة الصراع، عنوانه الأبرز: انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة التوازنات القلقة.