سقوط معادلة التفوق المجاني.. الجنوب في قلب التحول الجيوسياسي؟؟
مقالات
سقوط معادلة التفوق المجاني.. الجنوب في قلب التحول الجيوسياسي؟؟
عباس المعلم
30 آذار 2026 , 16:38 م

بقلم ( عباس المعلم )

في خضم السجال الداخلي اللبناني حول تطورات المواجهة مع إسرائيل، يبرز خطاب يتسم بالتبسيط المخلّ، يذهب إلى توصيف دخول حزب الله في الحرب باعتباره «خطأً انتحارياً»، مستنداً إلى قراءة جزئية للوقائع الميدانية، ومختزِلاً المشهد في معادلات جغرافية ضيقة. هذا الطرح، وإن بدا للبعض منطقياً في ظاهره، يغفل عن السياق الاستراتيجي الذي سبق اندلاع الحرب، ويتجاهل طبيعة ميزان القوى وقواعد الاشتباك التي كانت قائمة فعلياً على الأرض.

إن الادعاء بأن إسرائيل كانت تكتفي، قبل الحرب، باحتلال «بضعة تلال حدودية»، بينما توسّعت اليوم في عمق القرى الجنوبية، هو توصيف يفتقر إلى الدقة ويقوم على انتزاع الوقائع من سياقها العملياتي. فالواقع الميداني الذي ساد طوال الأشهر الخمسة عشر السابقة للحرب، يشي بأن إسرائيل كانت تمارس شكلاً متقدماً من الاحتلال غير المعلن لمنطقة جنوب الليطاني، ليس عبر الانتشار البري التقليدي، بل من خلال سيطرة نارية شاملة ومتواصلة.

لقد فرضت إسرائيل، قبل الحرب، هيمنة جوية مطلقة على المجال اللبناني، وأدارت نمطاً من «الاحتلال بالنار»، عبر غارات جوية مكثفة، وطائرات مسيّرة، ومحلقات استخبارية، كانت تلاحق الأفراد في تفاصيل حياتهم اليومية، من دخول المنازل إلى العمل في الحقول. ولم تقتصر هذه الهيمنة على الاستهداف العسكري، بل طالت البنية المدنية، عبر إنذارات بالإخلاء، وعمليات قصف ممنهجة، واستهداف منشآت بلدية وأهلية وتعليمية وصحية.

أما على المستوى البري، فقد كانت القوات الإسرائيلية تنفّذ توغلات يومية داخل القرى الحدودية، بعمق وصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة كيلومترات، لتنفيذ عمليات تفجير ممنهجة لمبانٍ سكنية ومرافق إنتاجية، إلى جانب عمليات خطف واعتقال. وقد بلغت درجة التحكم الميداني حدّ قيام الطائرات المسيّرة بمخاطبة المدنيين مباشرة، وطلب التعريف بهوياتهم، في مشهد يعكس مستوى غير مسبوق من السيطرة العملياتية.

استراتيجياً، يمكن توصيف تلك المرحلة بأنها انتقال من الاحتلال التقليدي إلى نموذج «السيطرة الشبكية»، حيث تُفرض الهيمنة عبر التفوق التكنولوجي والناري، دون الحاجة إلى تموضع كثيف للقوات. وهو نموذج يحقق لإسرائيل أهدافها الأمنية بأقل كلفة بشرية، ويُبقي لبنان في حالة استنزاف دائم، ضمن معادلة أحادية الاتجاه: عدوان بلا رد، وسيطرة بلا كلفة.

في المقابل، لم يقترن هذا الواقع بأي رد عسكري لبناني يُذكر، بل جرى تكريسه سياسياً كإنجاز، تحت عنوان «عدم الانجرار إلى الحرب». غير أن هذا الخيار، في الحسابات الاستراتيجية، لم يؤدِّ إلى تثبيت الاستقرار، بل إلى ترسيخ معادلة اختلال الردع، ومنح إسرائيل هامش حركة شبه مطلق داخل الأراضي اللبنانية.

ضمن هذا الإطار، يمكن فهم التحول الذي أحدثه دخول حزب الله في المواجهة، ليس كحدث معزول، بل كإعادة تشكيل لقواعد الاشتباك. إذ انتقل الصراع من حالة «الهيمنة الأحادية» إلى «الاشتباك المتبادل»، حيث لم يعد العدوان الإسرائيلي بلا ثمن، بل أصبح يقابَل باستهداف مباشر لمواقع القوات الإسرائيلية، وتجمعاتها، وصولاً إلى عمق المستوطنات في الشمال، بل وما بعده.

هذا التحول يحمل أبعاداً جيوسياسية أوسع، إذ يعيد ربط الجبهة اللبنانية بسياق الصراع الإقليمي، ويمنع تثبيت نموذج السيطرة الإسرائيلية منخفضة الكلفة، الذي كان يمكن أن يتحول إلى سابقة قابلة للتعميم في ساحات أخرى. كما أنه يعيد إدخال عنصر الردع المتبادل كعامل حاكم، بدلاً من الردع الأحادي الذي كان سائداً.

إن تقييم ما يجري اليوم بمعايير جغرافية ضيقة، تقيس التقدم أو التراجع بعدد القرى أو الكيلومترات، هو اختزال مخلّ لصراع تُحسم نتائجه في ميزان الردع لا في خطوط التماس. فالمسألة الجوهرية ليست أين تتوغل إسرائيل، بل هل تستطيع أن تفعل ذلك بلا كلفة.

وعليه، فإن الفارق بين المرحلتين لا يكمن في شكل الحضور العسكري الإسرائيلي، بل في طبيعة البيئة الاستراتيجية المحيطة به: بين واقع كانت فيه إسرائيل تتحرك بحرية شبه مطلقة، وواقع باتت فيه كل حركة محسوبة ضمن معادلة رد متبادل.

في هذا المعنى، لا يُقاس «الخطأ» أو «الصواب» بحدود الجغرافيا الآنية، بل بقدرة الفعل على كسر معادلات الهيمنة أو تكريسها. ومن هنا، فإن أي قراءة تتجاهل هذا البعد، إنما تقع في فخ التبسيط، وتخطئ في تقدير جوهر الصراع ومساراته.

عباس المعلم - كاتب سياسي