اغلاق المسجد الأقصى بهدف إعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه.
مقالات
اغلاق المسجد الأقصى بهدف إعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه.
راسم عبيدات
31 آذار 2026 , 10:57 ص

بقلم :- راسم عبيدات

لا شك بأن هذا الإغلاق هو الأطول للمسجد الأقصى، بعد حرب حزيران،والذي حتى اللحظة لا يوجد أفق لإعادة فتحه مجدداً،وبنفس الوضع القائم فيه،والأقصى جرى اغلاقه ثلاث مرات لفترات قصيرة بعد حرب الرابع من حزيران عام /1967، الأولى في التاسع من حزيران عام /1967،والثانية في الرابع عشر من تموز/2017،بعد عملية نفذها الأخوة جبارين من أم الفحم في الأقصى،والثالثة في الثالث عشر والعشرين من حزيران عام/2025،في فترة حرب ال12 يوماً العدوانية الأمريكية – الإسرائيلية على ايران .

الآن نشهد أطول عملية إغلاق للمسجد الأقصى مستمرة ومتواصلة منذ الثامن والعشرين من شباط /2026 وحتى اليوم،دون أي أفق لإعادة فتحه، ودون وجود أية ضغوط جدية عربية واسلامية ودولية،تمكن من اعادة فتحه،حيث استخدم الإحتلال ذريعة الأمن لهذا الإغلاق والقول بأنه مؤقت،و يستهدف توفير الأمن والحماية للجمهور من الصواريخ ،ونحن ندرك بأن الإغلاق يندرج ضمن مسار سياسي ايدولوجي، يستهدف تغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني للمسجد الأقصى.

مع بداية الإحتلال،سعت العديد من الجماعات المتطرفة لإستهداف المسجد الأقصى عبر استراتيجية التفجير والهدم،وفي السياق نذكر أنه في 21/أب/1969،أقدم احد المتطرفين اليهود من اصول استرالية ،على حرق المسجد الأقصى والذي طال منبر صلاح الين الأيوبي ،وفي عام 1990 حاول المدعو غرشون سلمون،رئيس جماعة ما يعرف بأمناء الهيكل وضع حجر الأساس للهيكل الثالث في الأقصى .

هذه الإستراتيجية وجدت المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية، أنه سيترتب عليها الكثير من التداعيات،وقد تمهد الى انفجار ديني وسياسي يخرجان عن السيطرة،ويدفعان نحو مواجهات واسعة مع العالمين العربي والإسلامي ،ولذلك لا بد من الذهاب الى استراتيجية أكثر عمقاً ،وأقل ضررا وتداعيات.

بالذهاب إلى ما يعرف بإستراتجية " التفكيك الصامت"،الذي تستهدف المعنى لا المكان، أي تفكيك الوضع التاريخي والقانوني والديني،الذي شكل درع وسياج الحماية للأقصى،فهذا الوضع ترسخ من الحقبة العثمانية مروراُ بالحقبة البريطانية وصولاً الى الحقبة الأردنية، صاحبة الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها المسجد الأقصى،وهذا الوضع شكل التوازن الدقيق ما بين الدين والسياسة والسيادة.

مع مطلع الألفية الثالثة، أخدث الإستراتيجية الإسرائيلية،من أجل إحكام سيطرتها وسيادتها على الأٌقصى،والعبور به من الزمن الإسلامي الخالص الى الزمن اليهودي – الإسلامي المشترك في البداية،وصولاً الى السيطرة والتهويد الكلي، بإقامة ما يعرف بالهيكل الثالث بدل مسجد قبة الصخرة،ضمن أساطير ومقولات تلمودية وتوراتية تقول بأن الأٌقصى" جبل الهيكل" أقدس مكان ديني لليهود،ولا بد من السيطرة والسيادة عليه.

في الإستراتيجية السابقة القائمة على التفجير والهدم، كانت هناك جماعات هامشية تتبنى هذه الإستراتيجية،ولكن استراتيجية " التفكيك الصامت" ، هي الأكثر عمقاً وجدوى فهي مدعومة قانونياً وإدارياً وحكومياً،وخاصة بعد أن نجحت قوى الصهيونية الدينية والقومية التي كانت موجودة على هامش المشروع الصهيوني في التقدم الى قلب المشروع الصهيوني،وباتت مقرر رئيسي في السياسة الإسرائيلية،وحتى في هوية الدولة،والتحكم في الحكومات الإسرائيلية بقاءً وسقوطاً.

الإستراتيجية الجديدة،تقوم على اعادة تشكيل السيادة على الأٌقصى،دينياً ورمزياً، بإسٍتهداف المعنى وليس المكان، بالإبقاء على الحجر ،المبنى،ولكن بإحداث تغيير جوهري في المعنى،عبر الإنتقال بشكل تدريجي من إدارة الصراع الى حسمه بأدوات قانونية وأمنية.

وفي هذا السياق نقول بأن اسرائيل وخاصة حكومة اليمين المتطرف وشركائها من الصهيونية الدينية والقومية، اتخذت سلسلة واسعة من القرارات والقوانين،ونفذت اجراءات ميدانية كبيرة لتحقيق هذا الغرض ،

ففي الإطار الميداني لم تكتف بفرض قيود مشددة على الأقصى اعداد وأعمار المسموح لهم بالصلاة في الأقصى من المسلمين، بل وسعت من دائرة الإقتحامات للمقتحمين للأقصى من المستوطنين،وبشكل جماعي باتوا يؤدون صلواتهم وطقوسهم التلمودية والتوراتية في ساحات الأٌقصى،ويخرجون عن مسارات الدخول والخروج،ويدخلون بلباس الكهنة البيضاء ويؤدون صلوات البركة،ويقيمون حفلات الأعراس والتعميد للبالغين في ساحاته،ويدخلون اللفائف السوداء وكتب الصلاة،مع تمديد لفترة الإقتحامات الصباحية بزيادة ساعة،وكذلك القيام بعمليات النفخ في البوق وإدخال القرابين النباتية في عيد العرش من سعف النخيل وأوراق الصفصاف وثمار الحمضيات المجففة،الى سعي متواصل لإدخال قربين الفصح الحيوانية الى الأقصى وذبحها فيه.

بعد استكمالهم لكل هذه الطقوس ،التي يعتبرونها طقوس إحياء الهيكل المعنوي، سينتقلون الى الطقس الأخير ، تمهيداً للإنتقال الى اقامة الهيكل الثالث بشكل عملي،وهو القيام بذبح واحدة من البقرات الحمراء الخمسة التي جرى احضارها من ولاية تكساس الأمريكية والمستولدة جينياً.لتجاوز قرار الحاخامية الإسرائيلية الكبرى بعدم الصعود الى "جبل الهيكل " المسجد الأٌقصى،بدون بند التطهر من نجاسة الموتى،وبذبحها ونشر رمادها على أكبر عدد من الحاخاماتت،سنكون امام "تسونامي" من المتطرفين يقتحمون الأقصى يومياً وبالألاف.

وعلى طريق تحقيق الهدف بإعادة صياغة موقع المسجد الأقصى بإعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه، كان هناك مشروعي قرارين تهويدين جرى المصادقة عليهما بالقراءة التمهيدية في الكنيست،الأول ينزع القدسية عن ساحات المسجد الأقصى،ويحولها الى ساحات بلدية عامة،وحصر المسجد الأقصى فقط بالمسقوف من مساحة الأقصى ال 144 دونم،وهذا يعني بأنه يحق لأتباع الديانات الأخرى أداء طقوسهم وصلواتهم التلمودية والتوراتية في ساحات الأقصى،دون ان يكون بوسع دائرة الأوقاف،أو حراس المسجد الأقصى منعهم عن القيام بتلك الصلوات والطقوس التلمودية، فهم سيتعرضون للإعتقال والمحاكمة والإبعاد عن الأقصى والإقامة الجبرية والحبس المنزلي.

أما مشروع القانون الثاني المعروف بقانون " إنقاذ حائط المبكى"،فهو ينطوي على تغيرات كبيرة على وضع المسجد الأقصى،بحيث ينزع الطابع التعليمي والإجتماعي عنه ،ويجري اغلاق مدارس الأقصى فيه،وكذلك منع المناسبات الإجتماعية،لقاء العائلات وممارسة الأطفال للعبة كرة القدم وغيرها من الألعاب في ساحات الأقصى.

بعد ذلك عمد الإحتلال الى إستهداف البنيتين الإدارية والإعلامية،معتقداُ بأن عملية التهويد،لن تكون بشكل مجرد بدون موافقة الأوقاف الإسلامية نفسها، فعمد الى إستهداف دائرة الأوقاف مباشرة، لإضعاف دورها في البداية،ومن ثم إنهائه بشكل نهائي تمهيداً لإلغاء الوصاية الأردنية على الأقصى.

فقد جرى استدعاء الشيخ عزام الخطيب رئيس دائرة ومجلس الأوقاف الإسلامية ومعه الشيخ عمر الكسواني الى مقر شرطة الإحتلال الرئيسي في البلدة القديمة " القشلة" ،وقد رفضا الذهاب،حيث أن ذلك يشكل سابقة سياسية خطيرة،والإعتراف بأن مرجعية الأقصى هي دولة الإحتلال،وكذلك يعني ذلك فرض السيادة على الأقصى.

رِفض الشيخ عزام ومعه الشيخ عمر الكسواني ،كان متوقعاً،ولذلك صعدت اسرائيل من هجمتها على الأوقاف الإسلامية، لإضعاف قدرتها الإدارية على إدارة شهر رمضان المبارك،حيث عمدت الى استهداف الدائرة المحيطة بالشيخ عزام،خاصة حراس الأقصى،والذين هم موظفين اردنيين تدفع رواتبهم الأردن،وقد جرى ابعاد أكثر من 49 منهم عن الأقصى ،وكذلك تحويل الحارسين عبد الرحمن الشريف وحسام سدر الى الإعتقال الإداري،وترافق ذلك من منع الأوقاف من تركيب المظلات في ساحات الأقصى للحماية من البرد والمطر والحر والشمس،وعدم تشغيل عيادة الأوقاف الطبية،و وأيضاً عدم إدخال الوجبات للصائمين على الإفطار،ووجبات السحور للحراس،وكذلك منع الترتيبات اللوجستية المتعلقة بإستقبال المصلين.

الإحتلال يدرك بأن وسائل الإعلام،هي الخطر على صورته وعلى ما يقوم به من اجراءات وممارسات بحق الأقصى والمصلين وغيرهم، ولذلك عمد الى شن حملة ابعادات واسعة بحق الصحفيين عن الأقصى،والتنكيل بهم ،واعتقال العديد منهم،ولم يكتف الإحتلال بذلك،بل قام بحظر العديد من المنصات الإعلامية الكبرى،وهي التي تتمتع بحضور كبير وواسع عربياً واسلامياُ،في نقل ما يجري بحق الأقصى من اقتحامات وممارسات واستفزازات بحق المصلين والمرابطين وغيرهم.

هنا علينا ان نعي بأن انهاء دور دائرة الأوقاف بالإشراف الإداري على المسجد الأقصى،يعني نهاية الوصاية الأردنية،ليس على الأقصى،بل على المقدسات الإسلامية والمسيحية، بما في ذلك المدارس التابعة للسلطة والمستظلة بمظلة الأوقاف الإسلامية.

الإحتلال يعتقد الآن بأن هناك فرصة مؤاتية جداً لفرض وقائع تهويدية في الأٌقصى تتجاوز التقسيمين الزماني والمكاني،وبما يشمل تغيير جذري في واقعه الديني والقانوني والتاريخي "الإستاتكو" ، فالعالم كل أنظاره متجه الى الحرب العدوانية الأمريكية – الإسرائيلية على ايران ،وتداعيات تلك الحرب على كامل المنطقة والإقليم والعالم،وخاصة ، بأن هناك حالة " موات" عربي وإسلامي،والعرب والمسلمين في ردودهم على تلك الإجراءات والممارسات التهويدية،والإغلاق المستمر للأقصى،لم تغادر اللازمة المعهودة والإسطوانة المشروخة نشجب ونستنكر وندين ونطالب المجتمع الدولي بتحمل مسوؤلياته .

من وجهة نظري بأن نتائج الحرب المتواصلة ما بين ايران ومحورها من جهة،وما بين امريكا واسرائيل،هي من ستحدد مصير المسجد الأقصى،هل سيبقى مسجد اسلامي خالص بمساحته المعروفه 144 دونم،وبقبابه ومصاطبه وساحاته،أم سيتحول الى فضاء ديني عام وفق ما روجت وتروج له بعض دول النظام الرسمي العربي ، ما يسمى بالديانة الإبراهيمية.

قادم الأيام ستجيب على هذا السؤال سلباً أو ايجابا.

فلسطين – القدس المحتلة

31/3/2026

[email protected]